إحدى وعشرون ساعةً من المفاوضات الأميركيّة – الإيرانيّة في العاصمة الباكستانيّة إسلام آباد، والنتيجةُ "صفر". الخلافاتُ بقيت على حالِها، من البرنامج النوويّ إلى تخصيبِ اليورانيوم فمضيقِ هُرمز، من دون أن يتزحزحَ الجانبان عن شروطهما ومطالبهما "العالية السقف". فالهدنةُ التي أُقرَّت على عجلٍ لمدةِ أسبوعين، بهدفِ وقفِ النارِ وفتحِ الطريقِ أمام محادثاتٍ بنّاءة، بعد الجهود الدبلوماسيّة المُكثّفة، أُصيبت بنكسةٍ، وذهبت التوقعاتُ بانفراجاتٍ أدراجَ الرياح. ومن دون معرفة مَاهيَّة الخطوات التالية للولايات المتحدة، التي لم يتوقّف يومًا رئيسُها دونالد ترامب عن التهديد بأن "الآتي أعظم" في حال رفضت طهران التوصّل إلى تسويةٍ مُرضية، أَعلَنَ مفاوضُ الوفدِ الأميركي جاي دي فانس فشل المباحثات، قائلًا: "هذا سيّئ للإيرانيّين أكثر من كونه سيّئًا للأميركيّين".
وستكون لعودةِ الأخير خاليَ الوفاض إلى واشنطن تداعياتٌ كبيرة، خصوصًا أن تمسّكَ إيران بعرقلة فتح مضيق هُرمز يُزعزعُ الاقتصادَ العالميّ، ويُسبّبُ خسائرَ جسيمةً، بينما كان العالم يحاولُ التقاطَ أنفاسه وانتظار بارقةِ أملٍ تلوح من باكستان. لكن، وعلى الرغم من "السوداويّة" الحاليّة، تبقى الأمور في خواتيمها، خصوصًا أن النظامَ الإيراني يُعرَف بأنّه لا يَخسر أوراقه دفعةً واحدة، وأنّه "مُحاورٌ من الطراز الأول"، ويعتمد على عامل الوقت، ما ستكشفه الأيّام القليلة المقبلة، والفاصلة عن نفاد مهلة أسبوعَي التهدئة. وفي وقتٍ يُهلّلُ فيه رئيسُ الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للفشل، كونه من القلّة الساعين إلى مواصلةِ القتالِ حتى الرمقِ الأخير، وهو ما توقّعه الإسرائيليّون سابقًا، تبدو الاختلافات في وجهات النظر "عميقة"، في ظلِّ غياب أيّ أرضيّةٍ مشتركة يمكن التعويل عليها. وعلى الرغم من هذا الإعلان عن "النكسة"، فإن مجرد جلوس الوفد الإيراني وجهًا لوجه مع الوفد الأميركي يُشكّل خرقًا، في محادثاتٍ وُصِفت بأنها "الأعلى مستوى بين طهران وواشنطن منذ العام 1979". فبعد أربعين يومًا من القصفِ والضرباتِ والخسائر البشريّة، والأهم مقتلُ مرشد النظام الإيراني علي خامنئي، حطّ وفدا واشنطن وطهران في إسلام آباد، بعد كثيرٍ من الجدل والتضارب في مواعيد الوصول، وغيرها من الأمور.
وقرّرت طهران أن يكون ممثّلوها على قدرِ طبيعةِ المرحلةِ الراهنة، عبر تمثيلها بنخبةٍ من "الصقور"، يتقدّمهم رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، إلى جانب وزير الخارجية عباس عراقجي، والأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي محمد باقر ذو القدر، والأمين العام لمجلس الدفاع علي أكبر أحمديان، ورئيس البنك المركزي عبد الناصر همّتي، فضلًا عن أعضاء في البرلمان ولجانٍ سياسيّة وأمنيّة وعسكريّة واقتصاديّة وقانونيّة، ما عكس مدى العناية التي تُوليها إيران للملفّات المطروحة. بينما، على المقلب الآخر، أَدارَ جاي دي فانس والمبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، وصهر ترامب جاريد كوشنر، النقاشات الأميركيّة، في خطوةٍ هدفت إلى إثبات أنّ هذا الوفد يتحدّث باسم ترامب مباشرةً، ويتمتّع بصلاحيّاتٍ كاملة لإدارةِ هذا الملف الحسّاس. ويأتي كلّ ذلك وسط عودة مضيق هُرمُز إلى الواجهة، إذ نقلت صحيفة "فاينانشال تايمز" عن مصادر قولها إنّ "إيران تُصرّ على الاحتفاظ بالسيطرة على الممرّ المائي وحقّها في فرض رسوم عبور على السفن". وأشارت إلى أنّ "المفاوضين الإيرانيّين يرفضون مقترحاتٍ تتعلّق بإدارةٍ مشتركة"، على الرغم من عقدِ لقاءٍ رفيع المستوى جمع بين فانس وقاليباف، بحضور رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف.
إلى ذلك، نفى المتحدّث باسم مقرّ خاتم الأنبياء ابراهيم ذو الفقاري، مساء أمس السبت، ادعاءَ قائد القيادة المركزيّة الأميركيّة (سنتكوم)، الأدميرال براد كوبر، بشأن اقتراب ودخول قطعٍ بحريةٍ أميركية إلى مضيق هُرمز، منبّهًا إلى أنّ "زمام المبادرة في عبور ومرور أي قطعةٍ بحرية هو في يد القوّات المسلّحة الإيرانيّة". ويأتي هذا الكلام بالتزامن مع إعلان ترامب أنّ الولايات المتحدة بدأت عمليّات تطهير المضيق من الألغام البحريّة، واصفًا ذلك بأنّه "خدمةٌ تستفيد منها دول عدة، من بينها الصين واليابان وكوريا الجنوبيّة، إضافةً إلى فرنسا وألمانيا". بدوره، قال وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث إنّ المدمّرتين "فرانك بيترسون" و"مايكل ميرفي" عبرتا مضيق هُرمز ونفّذتا عمليّاتٍ في الخليج، منوّهًا إلى أنّ عبورهما جزء من مهمّةٍ تهدف إلى معالجة الألغام البحريّة. ويبقى هذا الملفّ من بين أكثر القضايا حساسيّةً، فوفقًا لتقريرٍ نشرته صحيفة "نيويورك تايمز"، يقول مسؤولون أميركيون إن إيران لم تتمكّن من فتح المضيق أمام مزيدٍ من الملاحة، لأنّها لا تستطيع تحديد مواقع جميع الألغام التي زرعتها، وتفتقر كذلك إلى القدرة السريعة على إزالتها. وأضاف هؤلاء المسؤولون أن إيران زرعت الألغام باستخدام قوارب صغيرة الشهر الماضي، بعد وقتٍ قصير من بدء الحرب، ما أدى، إلى جانب تهديدات الطائرات المسيّرة والصواريخ، إلى تباطؤٍ شديد في حركة الناقلات وارتفاع أسعار الطاقة.
وتحوّل هُرمز إلى ورقةِ ضغطٍ وعنوان حربٍ اقتصادية ستزيد من الاضطرابات العالميّة، وسط محاولات العديد من الدول اتّخاذ خطواتٍ بديلة عاجلة، والسعي إلى إجراءاتٍ احترازيّة. ولم يكن هذا الموضوع بعيدًا عن الاتصال الهاتفي الذي جرى بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان. إذ شدّد ماكرون على ضرورة أن "تُعيد طهران حرّيّة الملاحة والأمن في مضيق هُرمُز في أسرعِ وقتٍ ممكن"، مؤكّدًا استعداد باريس للمساهمة في ذلك. ويكاد يكون ماكرون من بين القادة الأوروبيّين الوحيدين الذين استمرّ تواصلهم مع القيادة الإيرانية طوال مدّة الحرب، وهو ما انعكس في مرورِ سفنٍ فرنسيّةٍ في المضيق، وفي إطلاق سراحِ مواطنين فرنسيّين بعد ثلاثة أعوامٍ ونصف، في مبادرةٍ حظيت بوساطةٍ من سلطنة عُمان. وبهذا، تسعى طهران إلى فرض يدها الطولى في تحديد من يُسمح له بـ"العبور الآمن"، وتوظيف ذلك لخدمةِ مصالحِها. ويحدث ذلك في ظلِّ سعيها إلى رفع العقوبات عنها، والحصول على "مكاسب اقتصاديّة" تُساعدها على إعادة إعمار ما تهدّم. كما تتمسّك بموضوع الرسوم، في مخالفةٍ للقانون الدولي وحرية الملاحة البحرية. وفي موازاة ذلك، قال مصدر إيراني رفيع المستوى إنّ الولايات المتحدة وافقت على الإفراج عن أصولٍ إيرانيّةٍ مُجمَّدة في قطر وبنوكٍ أجنبيّةٍ أخرى، غير أن مسؤولًا أميركيًّا سارع إلى نفي ذلك، بينما لم تُصدر قطر أي تعليق رسمي حتى الآن حول هذا الأمر.
في إطارٍ متصل، شهد يوم أمس تضاربًا حادًّا في المعلومات بين ما نشره الإعلام الإيراني من جهة، والإعلامان الأميركي والإسرائيلي من جهةٍ أخرى، لا سيما أنّ الأطراف الثلاثة تسعى إلى تسجيلِ "انتصارٍ" تُوظّفه في مصلحتها السياسيّة وأمام رأيها العام. فالحربُ الدائرة، وما خَلّفَتهُ من ضغوطٍ أساسيّةٍ، أَسهَمَت في تململِ الأميركيّين وتصاعدِ الخلافات الداخليّة. ولم يكن الوضعُ أفضلَ حالًا في تل أبيب، حيث خرج المئات رفضًا لسياسات نتنياهو وأداء حكومته. كذلك الحال بالنسبة إلى إيران، التي تسعى إلى إظهار أنها، على الرغم من الدمار الكبير، استطاعت فرض حضورها والبقاء "صامدة" أمام الدعوات إلى إسقاط النظام وتغييره، واغتيال كبار قادتها وعلمائها. وبدأت العاصمة طهران محاولاتها لاستعادة إيقاع حياتها الطبيعي، مع استمرار الهدنة المؤقّتة وسط حذرٍ شديد، واستمرار رفع الأنقاض والبحث عن الضحايا. لكن كل ذلك يحتاج إلى وقتٍ طويل، وتثبيت وقف النار، والانتقال إلى مرحلة هدوءٍ شاملة. وهذا ما تسعى إليه أيضًا دول الخليج العربي، بعد دفعها تكاليف باهظة جرّاء هذه الحرب، التي أعادت إلى الواجهة الحديث عن العلاقات الثنائيّة وحسن الجوار، وطرحت أسئلةً يُتوقّع أن تتحوّل إلى ديناميّة عمل، في ظلِّ البحثِ عن مظلّاتِ أمان. ولم تُسجّل دول خليجيّة عدة أي تهديداتٍ أو مخاطر تمسّ أجواءها أمس السبت، باستثناء اعتراض وتدمير القوّات البحرينيّة مُسيَّرةً معاديةً خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية.
في الأثناء، أعلنت قطر استئناف أنشطة الملاحة البحريّة بشكلٍ كامل لجميع أنواع الوسائط البحرية والسفن، اعتبارًا من اليوم الأحد. كما وجّهت رسالةً إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن، بشأن الاعتداءات الإيرانيّة على أراضيها. من جهتها، أعربت السعوديّة عن إدانتها واستنكارها، بأشدّ العبارات، للهجمات الآثمة التي استهدفت عددًا من المنشآت الحيويّة في دولة الكويت، من قبل إيران ووكلائها والجماعات الموالية لها. وطوال مدّة الحرب، تعرّضت دولة الكويت لضرباتٍ إيرانيّة شبه يوميّة، كما كشفت أيضًا عن خلايا إرهابيّة كانت تعمل ضد مصالح البلد، وهو ما واصلت السلطات الإعلان عنه. إذ أحبطت السلطات الأمنيّة مخطّطًا استهدف المساس بالأمن والاستقرار، كاشفةً عن توقيف 24 مواطنًا، أحدهم ممن سُحبت جنسيّته، وفي حوزتهم مبالغ ماليّة مرتبطة بأعمالٍ غير مشروعة. والكشف المتتالي عن خلايا في الكويت وقطر والإمارات يزيد من حدّةِ التباين، ويجعل الملف الأمني في صدارة الأولويّات. فقد اختبرت هذه الدول معنى تهديد أمنها القومي، والتعرّض لمحاولات تكبيدها خسائر مباشرة عبر استهداف منشآتها الحيويّة والمدنيّة. أما "اليوم التالي"، مع اتضاح معالم الحرب ومآلاتها، فلن يكون كما قبله، إذ بدأت ترتسمُ آفاق جديدة وسط أحاديث عن توازناتٍ وموازين قوى جديدة ستُبرزها المعطيات المقبلة.
وبينما ينشغل العالم بهذه التفاصيل وبنتائج مباحثات باكستان، تواصل إسرائيل قصف لبنان، وتحديدًا قراه وبلداته الجنوبيّة، بعد اتفاقٍ على الحدّ من الهجمات في العاصمة بيروت وتقليصها إلى حدّها الأدنى، بناءً على طلبٍ أميركي. ويرتكب جيش العدو المزيد من المجازر، خصوصًا بحقّ الطواقم الصحيّة والإسعافيّة، في إطار خطّةٍ ممنهجة، بحجّة استخدامها من قبل عناصر "حزب الله"، ويُصعِّد وتيرة التدمير ونسف المباني عن بكرة أبيها. وقال الجيش الإسرائيليّ، أمس السبت، إنه أغار على أكثر من مئتي هدفٍ لـ"حزب الله"، فيما أفادت وزارة الصحّة، في بيان، بأن عدد الضحايا ارتفع إلى 2020 شخصًا، من بينهم 85 مسعفًا وعاملًا في القطاع الصحّي و165 طفلًا، مشيرةً إلى أنّ عدد الجرحى بلغ 6436 شخصًا. هذه الخسائر البشريّة، التي ترتفع بشكلٍ مطّرد، ترافقت مع تشييع العائلات والأحبّة في مدينة صيدا جنوبي البلاد لـ13 عنصرًا من جهاز أمن الدولة، قُتلوا جرّاء استهداف الاحتلال مبنى سراي النبطية الحكومي. أما في الميدان، فتستمرّ المواجهات البرية التي ينفّذها جيش العدو، إذ أعلن مؤخرًا عن مشاركة خمس فرقٍ عسكريّة في تلك العمليّات. وتسعى تل أبيب إلى تحسين شروطها حتى يوم الثلاثاء المقبل، موعد المفاوضات المباشرة التي ستُعقد بين لبنان وإسرائيل برعايةٍ أميركيّة.
وأعلنت الرئاسة اللبنانيّة، بعد أخذٍ وردّ، عن اتصالٍ هاتفي جرى مساء الجمعة بين لبنان ممثّلًا بسفيرته في واشنطن ندى حمادة معوّض، وإسرائيل ممثّلةً بسفيرها في واشنطن يحيئيل ليتر، بمشاركةِ سفير الولايات المتحدة الأميركيّة في بيروت ميشال عيسى. وقالت إنه جرى التوافق، خلال الاتصال، على عقدِ أوّلِ اجتماعٍ يوم الثلاثاء المقبل في مقر الخارجية الأميركيّة، للبحث في الإعلان عن وقفٍ لإطلاقِ النار، وتحديد موعد بدء التفاوض بين لبنان وإسرائيل برعايةٍ أميركية. لكنّ هذا التطوّر لم يلقَ قبولًا واستحسانًا لدى مناصري "حزب الله"، الذين تظاهروا على مدار اليومين الماضيين بالقرب من السراي الحكومي، في رسالةٍ مباشرةٍ إلى رئيسِ الحكومةِ نواف سلام، الذي يتّهمونَهُ بالـ"عمالة" وبـ"التفريط بدماءِ اللبنانيّين". وتأتي هذه الاتهامات والشتائم والكيل بمكيالين بعد رفضِ لبنان أن تُحاور طهران نيابةً عنه، وإصراره على أن يُفاوض بنفسه، في خطوةٍ مهمّة لفصل الملفّين عن بعضهما. في حين يسعى الحزب إلى إبقاءهما متّصلين، وأن يكون التفاوض محصورًا بطهران، التي لطالما نظرت إلى لبنان كـ"صندوق بريد"، واستخدمته كورقةٍ ضمن أوراقها التفاوضيّة. في سياقٍ متصل، نفّذ الجيش انتشارًا واسعًا في العاصمة، وحذّر من "أيّ تحرّكٍ قد يُعرّض الاستقرار والسلم الأهلي للخطر، أو يؤدي إلى الاعتداء على الأملاك العامّة والخاصّة"، معلنًا أنّه "سيتدخّل بحزمٍ لمنع أيّ مساسٍ بالاستقرارِ الداخلي". وبعد وقتٍ قصيرٍ من التظاهرات "الخجولة نسبيًا"، دعا "حزب الله" وحركة "أمل" أنصارهما إلى وقف الاحتجاجات في الوقت الحالي، "منعًا لحدوث أيّ انقسامٍ تريده إسرائيل" في لبنان.
العمل على وتر الفتنة وتصاعد الخوف من اقتتالٍ داخلي، يؤكّدان الحاجة الوطنيّة إلى الالتفاف حول الدولة وأركانها، وتفويت الفرص على "المصطادين في الماء العكر"، خصوصًا أنّ لبنان أمام مرحلةٍ حساسة تحتاج إلى تضافر الجهود وسط منطقةٍ مشتعلةٍ بالصراعاتِ والحروب. ولا يفوّت الإيرانيّون فرصةً لاستغلال ما يجري، فوجّه مستشار مرشد الجمهوريّة علي أكبر ولايتي، تهديدًا مبطّنًا للرئيس سلام. إذ قال ولايتي إنّه "يتعيّن على رئيس حكومة لبنان أن يعلم أنّ تجاهل دور المقاومة و"حزب الله" سيُعرّض لبنان لمخاطر أمنيّة". والتمسّكُ بالورقةِ اللبنانيّةِ وإدخالِها ضمن جولات التفاوض بالنار لا يختلف عمّا يمرّ به العراق، الذي اختبر معنى التفلّت الأمني، ما كاد أن يُشعل البلاد، فيما يحاول الوقوف مجدّدًا ومعالجة تداعيات المرحلة الماضية. لكن هذا الجو المشحون ترافق مع إعلان مجلس النوّاب انتخاب السياسي الكردي ومرشح "الاتحاد الوطني الكردستاني" نزار آميدي رئيسًا جديدًا للبلاد، خلفًا للرئيس السابق عبد اللطيف رشيد.
على الجانب الآخر، تلفت المستجدّات في سوريا الأنظار، مع إعلان وزارة الداخليّة السوريّة أنّها أوقفت خمسة أشخاصٍ على صلةٍ بمخطّطٍ لاستهداف شخصيّةٍ دينيّة، مضيفةً أن الخليّة مرتبطة بـ"حزب الله". ولاحقًا، نقلت "الإخباريّة السوريّة" عن مصدرٍ رسمي قوله إنّ "الخليّة كانت تخطّط لاستهداف الحاخام ميخائيل حوري في دمشق". وتحاول دمشق تأكيد حيادها، لكنها في الوقت عينه ترفض المسّ باستقرارها الداخليّ، في ظلّ مواجهتها ملفّاتٍ داخليّة حسّاسة، أبرزها في السويداء جنوبي سوريا، التي شهدت أمس تظاهرةً لأتباع الشيخ حكمت الهجري، تخلّلها رفع علم إسرائيل وصور رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إلى جانبِ دعواتٍ تُطالب بحقّ تقرير المصير. وجاءت التظاهرة عقب إعلان تعيين صفوان بلّان مديرًا للتربية من قبل الحكومة السوريّة، وهو قرار واجه رفضًا من قوى محلّيّة في المدينة. وفي غزّة والضفّة الغربيّة المحتلّة، يواصل الاحتلال إجرامه من دون حسيبٍ أو رقيب، مع تمرير المزيد من المشاريع الاستيطانيّة "تحت ستار" الحرب، وإعلان وزير الماليّة الإسرائيليّ المتطرّف، بتسلئيل سموتريتش، أنّ الاستراتيجيّة الإسرائيليّة تقوم على المزيد من التوسّع. في حين أوضحت الخارجيّة الأميركيّة، في ردٍّ مقتضب لصحيفة "يديعوت أحرونوت"، أنّ ترامب لا يدعم ضمّ الضفة الغربية.
وضمن الفقرة اليومية للصحف العربية الصادرة تركيزٌ على تطورات الحرب وتداعياتها، وهنا أبرزها:
أشارت صحيفة "الخليج" الإماراتية إلى أن "المفاوضات يجب، ألا تكون ثنائية، وإن بدأت كذلك، وإنما يجب أن تكون متعددة الأطراف بمشاركة الدول العربية، التي تضرّرت، وتتطلب جرأة لبحث كل الملفات ذات الصلة مثل التهديدات النووية الإيرانية وقدراتها العسكرية، وحصانة ممرات الملاحة وموارد الطاقة وعدم الزّج بها في الصراعات مهما كانت دوافعها وأهدافها، خصوصًا الصراعات التي تحاول رسم خريطة النفوذ في المنطقة بالحديد والنار، وهو ثمن باهظ لم يعد بإمكان أحد أن يتحمله أو يسمح بوقوعه". وأضافت: "مهما كانت النيات الحسنة التي يبديها طرفا المفاوضات في إسلام آباد، إلا أنها تظل أسيرة اختبار الأفعال على أرض الواقع، وما يترجمها من تعهدات والتزامات بالقوانين والأعراف الدولية ومراعاة لمصالح دول المنطقة وحقوقها في الحفاظ على سيادتها وأمنها وكرامة شعوبها".
من جانبها، رأت صحيفة "الغد" الأردنية أن "الولايات المتحدة لم تعد تسعى إلى تغيير النظام في إيران بقدر ما تركز على احتواء سلوكه وتقليل مخاطره، بينما تعمل إيران على ترسيخ موقعها كقوة إقليمية قادرة على فرض معادلات ردع دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة. وهذا النمط من "التوازن السلبي" يعكس تحولات أعمق في بنية النظام الدولي، حيث تتراجع القدرة على فرض حلول نهائية، لصالح إدارة الأزمات عبر تفاهمات جزئية ومؤقتة". وشددت على أن "انعكاسات هذه المفاوضات على المنطقة ستكون متعددة الأبعاد. ففي حال نجاح التفاهم المرحلي، قد نشهد تهدئة نسبية في بؤر التوتر. أما في حال استمرار الجمود، فإن المنطقة ستبقى في حالة "لا حرب ولا سلم"، مع استمرار النزاعات بالوكالة وتصاعد المخاطر الأمنية".
صحيفة "الأهرام" المصرية أكدت ضرورة "انتهاز الدول العربية الفرصة وتجاوز المحنة الصعبة التي ألمت بمنطقة الخليج خاصة، والشرق الأوسط عامة، والتي أثبت أنه لا خروج منها إلا بتوحد العرب وعدم الاعتماد على الغرب الذي يبحث عن مصالحه فقط، والعمل على وضع صيغة للعمل العربي المشترك تمثل قوة إقليمية وتكتلًا كبيرًا للحفاظ على مقدرات الأوطان العربية من أي أخطار تبتزها وتهددها في المستقبل". ونبهت إلى أن "الفرقة والانقسام المستفيد الوحيد منهما هو الكيان الصهيوني ووراءه أميركا، وأن الجسد العربي عليه التعافي الآن من مرضه بتوحيد العرب كلمتهم ونبذ خلافاتهم".
هذا الموضوع تناولته أيضًا صحيفة "الوطن" القطرية، التي لفتت إلى أن "قوة الدول في الخليج لا تكمن فقط في وفرة الموارد بل في كيفية إدارتها. فخلال السنوات الماضية انتقلت دول الخليج من نموذج يعتمد على النفط كمصدر وحيد للدخل إلى نموذج أكثر تنوعا يستثمر في السياحة والخدمات المالية والتكنولوجيا والصناعة والتقدم العلمي، خاصة في مجال البرمجة التفاعلية (الذكاء الاصطناعي). وقالت إن "ما يميز التجربة الخليجية أيضًا هو سرعة التنفيذ ففي كثير من دول العالم النامي تبقى الخطط حبيسة الأدراج لسنوات. لكن الفجوة الزمنية في الخليج تظل قصيرة بين الإعلان والتنفيذ. فالمشاريع الكبرى تطلق وتنفذ بوتيرة لافتة ما يعكس كفاءة إدارية وقدرة على اتخاذ القرار بسرعة وهي ميزة حاسمة في عالم يتغير بسرعة".
(رصد "عروبة 22")

