صحافة

مواقف السوريين من الحروب الشرق أوسطية

رياض معسعس

المشاركة
مواقف السوريين من الحروب الشرق أوسطية

على غير المتوقع عمت المدن السورية مظاهرات ضخمة تدين قانون الكنيست لدولة الاحتلال بإعدام الأسرى الفلسطينيين، وتحولت الهتافات إلى نصرة غزة وحماس والفلسطينيين. وهذا الموقف ليس غريبا على السوريين الذين يعتبرون القضية الفلسطينية قضيتهم الأولى منذ بدايات الهجرة اليهودية وتشكيل الميليشيات الإرهابية الصهيونية لقتل وتهجير الفلسطينيين إلى اليوم، ولا يزال اسم الشيخ السوري عز الدين القسام الذي أطلق ثورة 36 يرفع على رايات الحركة الإسلامية "حماس".

وهذه المظاهرات التي انطلقت من شمال سوريا إلى جنوبها كانت محظورة في عهد النظام الأسدي البائد، فخلال سنتين من الحرب الصهيونية الهمجية على غزة لم يجرؤ السوريون بالخروج إلى الشوارع لنصرة غزة كما فعلت معظم الشعوب العربية والعالمية، فالنظام البائد كان يخشى خروج المظاهرات كي لا تنقلب ضده بعد القمع الوحشي بالحديد والنار للمظاهرات التي انطلقت بعد الثورة وتطالب بإسقاطه.

ويتساءل كثيرون لماذا لا يتظاهر السوريون ضد الحرب الهمجية لدولة الاحتلال على لبنان، أو الحرب الصهيو أمريكية على إيران؟ ولماذا يكرهون حزب الله والنظام الإيراني؟ حتى أن بعضهم احتفل يوم اغتيال أمين عام حزب الله حسن نصر الله، وأيضا عندما تم اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، وحتى هناك من يفضل سقوط النظام الإيراني، أو بمعنى آخر لم يعد "عدو عدوي صديقي" وهنا تكمن المفارقة الكبيرة بتفضيل انتصار دولة الاحتلال على حزب الله، والهجمة الصهيو أمريكية على إيران، وانكسارها في الحرب على الفلسطينيين. رغم أن قبل اندلاع الثورة السورية كان معظم السوريين يرون في حسن نصر الله قائدا مميزا يقف في وجه دولة الاحتلال، ولم يعادون إيران، بل كانوا يحبذون الموقف الإيراني من القضية الفلسطينية ومعاداة دولة الاحتلال.

لكن المواقف اختلفت بعد الثورة السورية وتحديدا في العام 2013 عندما كان النظام السوري البائد يترنح تحت ضربات الجيش السوري الحر وسقوطه كان قاب قوسين أو أدنى، قبل أن يقوم بشار الأسد بالاستنجاد بإيران التي قامت بنجدته سريعا بقوات من حزب الله أولا، ثم بميليشيات شيعية باكستانية وأفغانية وعراقية (فاطميون، زينبيون، أبو فضل العباس، الحشد الشعبي، النجباء.. )، ثم الحرس الثوري الإيراني بقيادة قاسم سليماني (الذي قام دونالد ترامب باغتياله في بغداد). هذه الميليشيات دخلت سوريا تحت شعار حماية الأماكن المقدسة (مقام السيدة زينب، ومقام رقية مع أن السوريين كانوا يحافظون على كل المقدسات ويجلونها ولم يتعرض لها أحد منذ واقعة كربلاء ومقتل الحسين).

لكن هذا الغطاء الطائفي سرعان ما تبدد عندما بدأت هذه الميليشيات تهاجم الجيش السوري الحر، وتقتل الكثير من المدنيين السوريين، بل قاموا بتدنيس المقدسات، وارتكاب الكثير من الاستفزازات الطائفية "بحق السوريين السنة" من "لطميات" في المسجد الأموي، وفي الشوارع الدمشقية، التهجم وتدنيس قبر معاوية بن أبي سفيان، وشتائم بحق الخلفاء (أبو بكر، وعمر، وعثمان..)، نبش قبر خالد بن الوليد في مسجد حمص… هذه الأفعال أججت الشعور بالكراهية، لكن أحدا لم يكن يجرؤ على التصدي لهذه الاستفزازات خشية القمع الرهيب الذي كان يمارسه النظام.

ولا ينسى السوريون المجازر التي ارتكبت بحقهم من هذه الميليشيات (مجزرة الحولة في العام 2012 قتل فيها 112 سوريا مدنيا بينهم نساء وأطفال ذبحا بالسكاكين والحراب، مجزرة بلدة العتيبة بريف دمشق، حيث نفّذ عناصر حزب الله هذه المجزرة وقتل فيها أكثر من 175 مدنياً كانوا يحاولون مغادرة الغوطة المحاصرة، هذا على سبيل المثال لا الحصر)، وقد عمل حزب الله على احتلال معظم البلدات المحاذية للحدود اللبنانية من القصير شمالا حتى وادي بردى جنوبا ومحاصرة بلدة مضايا وتجويع أهلها، وطرد السكان من أراضيهم ليحل محلهم عناصر الميليشيات، وهذا فيض من غيض.

في حين قام الحرس الثوري الإيراني بالتمركز في أكثر من منطقة سورية وخاصة في دمشق وحلب ومناطق الشيعة (كفر نبل والزهراء وكفريا والفوعة) وبعض القواعد في دير الزور ليتم عبرها نقل الأسلحة لحزب الله، لكن هذا التدخل في الشأن السوري كان خطأ فادحا ومكلفا على إيران وكل الميليشيات الموالية له أيضا، فقد خسر حزب الله لا يقل عن 1700 مقاتل في سوريا، وحوالي 3000 مقاتل من المليشيات الأجنبية ولا يقل عن 1000 مقاتل من الحرس الثوري يضاف إليهم كل الاغتيالات التي قامت بها دولة الاحتلال من خلال القصف المتكرر الذي استهدف ضباطا ودبلوماسيين في سوريا.

وللأسف الشديد أن هذا الخطأ الفادح في الرؤية الاستراتيجية لإيران قد أساء لها بقدر ما أساء للسوريين، فمحاولة إنقاذ نظام الأسد المتهالك من ثورة شعبية عارمة ضده لم تكن نظرة صائبة وقد اكتشف حزب الله والحرس الثوري متأخرا أن النظام المخلوع تخلى عنهما وصار يسعى للتخلص من وجودهما في سوريا بعد عمليات القصف الإسرائيلية شبه اليومية لمواقعهما في سوريا، ويضعه في موقف حرج داخليا وعربيا ودوليا.

وتبين أيضا بعد تحقيق قام به حزب الله وعناصر من الحرس الثوري على إثر استهداف دولة الاحتلال مبنى للقنصلية الإيرانية في دمشق في 1 نيسان/ أبريل 2024 وأدى إلى مقتل فريق كامل من المسؤولين الإيرانيين الذين عقدوا فيه اجتماعا سريا أن مخابرات النظام البائد كانت تسرب المعلومات لدولة الاحتلال إلى أماكن تواجد الضباط والمسؤولين الإيرانيين (وقد رفض بشار الأسد إجراء أي تحقيق بعد أن طلبت منه إيران القيام به). وسحبت إيران كل ضباطها بعد أن تيقن الإيرانيون أن هذا النظام قد خانهم.

وهذا كان سببا أساسيا في تخلى إيران وحزب الله عنه بعد أن خسرت في سوريا أكثر من 50 مليار دولار، الأمر الذي أودى إلى سقوطه المدوي في 8 كانون الأول/ 2024 بتوافق تام أيضا مع روسيا، وفسح المجال أمام تركيا لدعم هيئة تحرير الشام لدخول دمشق بموافقة أمريكية، ومعارضة إسرائيلية التي كانت تجد في النظام البائد أفضل نظام حافظ على أمنها لزهاء نصف قرن، والمخلوع هرب إلى موسكو وليس طهران لأنه يعلم علم اليقين أن الإيرانيين لن يستقبلوه أو إذا استقبلوه سيحاكمونه ويطالبونه باسترداد كل الأموال التي دفعوها لإنقاذ نظامه .

اليوم يتخذ النظام السوري الجديد موقف النأي بالنفس عن التدخل في الهجمة الصهيو أمريكية على لبنان وفلسطين وإيران، وأكده الرئيس أحمد الشرع في زيارته الأخيرة لألمانيا وبريطانيا، لأنه يعطي الأولوية للبناء الداخلي وإعادة الإعمار، ولا يحاول التصدي لكل الاعتداءات التي تقوم بها دولة الاحتلال على الأراضي السورية (آخرها مقتل مدني بقذيفة دبابة إسرائيلية في ريف القنيطرة)، واحتلالها بعض المناطق داخل خط اتفاق فصل القوات الموقع في العام 1974 ويطالب بتدخل المجتمع الدولي لمحاسبة محتل لم يتخل يوما عن احتلال الأراضي السورية والفلسطينية، ولم تنفع معه كل قرارات الأمم المتحدة التي تدينه. ويصرح جهارا نهارا أن مشروعه الأبدي هو ابتلاع كل سوريا ومن حولها لتحقيق حلمه في إنشاء إسرائيل الكبرى، لكن السوريين لهم رأي آخر عبروا عنه في مظاهرات نصرة غزة والأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال.

(القدس العربي)

يتم التصفح الآن