صحافة

إذا كان الجميع انتصر.. فمن الذي انهزم؟!

عماد الدين حسين

المشاركة
إذا كان الجميع انتصر.. فمن الذي انهزم؟!

إذا كان الجميع يقول إنه انتصر في الجولة الأولى من الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، والحرب الإيرانية ضدهما وضد دول مجلس التعاون الخليجي، فالسؤال البسيط: ومن الذى انهزم؟ حينما توقف إطلاق النار يوم الأربعاء قبل الماضى كهدنة مؤقتة لمدة أسبوعين بين المتحاربين، خرج كل طرف ليؤكد أنه هو الذي انتصر، وأن الباقين هم من خسروا. هل هذا الأمر منطقي.. ألا يفترض أنه حينما يكون هناك رابحون يكون هناك أيضا خاسرون؟!

الإجابة هي لا، فالعديد من المعارك والحروب التى شهدتها المنطقة والعالم في العقود الأخيرة، تشهد نفس الظاهرة، أي أن كل الأطراف ترى وتقول إنها انتصرت. الخسارة الواضحة التي يعترف بها المهزوم صارت قليلة ونادرة إلى حد ما، مثل انتصار الحلفاء على دول المحور، ودحر ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية، وكذلك دحر اليابان في نفس الحرب بعد استخدام الولايات المتحدة القنبلة الذرية ضدها مما أجبرها على الاستسلام التام. كذلك الحال في الهزيمة العربية أمام إسرائيل في 5 يونيو 1967 مما قاد إلى احتلال الضفة وغزة والجولان وسيناء، وكذلك هزيمة إسرائيل في حرب أكتوبر 1973، وإن كانت تتبجح وتعتبر نفسها منتصرة أو على الأقل صدت الهجوم في حين أن النتائج العسكرية والسياسية تؤكد أنها مهزومة والدليل الأنصع أنها أعادت كامل سيناء مضطرة!!

كذلك هزيمة نظام صدام حسين أمام الغزو الأمريكي البريطاني عام 2003، وسقوط نظام معمر القذافي في خريف 2011 أمام تحالف ضم دول الناتو ودولا عربية. في النماذج السابقة كانت هزائم عسكرية قادت إلى نتائج سياسية على الأرض. في المقابل هناك مئات الحروب التي يدعي كل الأطراف أنهم انتصروا فيها، وأبرز الأمثلة هي غالبية حروب جماعات وتنظيمات المقاومة ضد المحتل في كل زمان ومكان، خصوصـًا المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي. فالمقاومة في هذه الحالة تقول إن الفيصل ليس هو عدد الضحايا وحجم الدمار الذي تتكبده، ولكن إرهاق وإرباك المحتل على المدى الطويل وصولا للتحرير الكامل والانتصار. ننتذكر أن إسرائيل دمرت جنوب لبنان بصورة شبه كاملة عام 2006، لكن "حزب الله" خرج ليعلن انتصاره لأنه صار صاحب الكلمة العليا فى لبنان بعد نجاحه في تحرير الجنوب عام 2000.

والمقاومة الفلسطينية تقول كل يوم إنها انتصرت في 7 أكتوبر 2023، لكن الكثير من المراقبين يقولون إن حجم الدمار الذي تعرض له القطاع وتغول الاستيطان الإسرائيلي في الضفة يدحض هذه الرواية. وأظن أن الفيصل الأساسي في الحكم هنا هو النتائج السياسية والاستراتيجية وليس فقط حجم الدمار أو عدد الضحايا، وأبرز مثال على ذلك هو العدوان الثلاثي الفرنسي البريطاني الإسرائيلي على مصر عام 1956، ورغم التفوق العسكري للاحتلال والعدوان إلا أن مصر حققت انتصارا سياسيا بارزا بإخراج الاحتلال، بل وسقوط الإمبراطورية البريطانية.

في الحرب الحالية التى تشهد هدنة مؤقتة ومفاوضات فى إسلام آباد بين أمريكا وإيران، يقول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إنه دمر القوات الجوية والبحرية لإيران، وكذلك معظم منصات الصواريخ ومنظومات الدفاع الجوى وفرض حصارا بحريا عليها، ويضيف عليه نتنياهو أنه تم مهاجمة كل المنشآت النووية الإيرانية وتم اغتيال قادة إيران السياسيين والعسكريين وعلى رأسهم المرشد وكذلك علماء البرنامج النووي، وتقول دول الخليج إنها تمكنت من التصدي للاعتداءات الإيرانية بكفاءة اعتمادًا على الأسلحة التي تملكها رغم أنها تعرضت لخسائر كبيرة أيضا.

إيران من جهتها تقول إن مجرد عدم إسقاط النظام يعني انتصارها، وكذلك نجاحها في إغلاق مضيق هرمز مما تسبب في ارتفاع أسعار الطاقة عالميا، وإنها تمكنت أيضا من توجيه ضربات مؤلمة لإسرائيل بمساعدة من حزب الله، الذي بدوره تعرض لهجمات إسرائيلية مميتة لكنه ظل حتى آخر لحظة يهاجم إسرائيل بالصواريخ.

مرة أخرى يصعب الآن حسم من الفائز ومن الخاسر، لكن لو احتكمنا لما قاله الرئيس الأمريكي في بداية الحرب، فهو لم يحقق أهدافه الاستراتيجية وكذلك إسرائيل، لكن من المؤكد أيضا أن إيران تعرضت لضربات موجعة، والفيصل في كل ما سبق هو النتائج السياسية على الأرض أو العودة للقتال مرة أخرى. وبالتالي علينا الانتظار قليلا لنرى نوع الاتفاق السياسي، أو العودة للحرب مرة أخرى.

(الشروق المصرية)

يتم التصفح الآن