من الذي ربح ومن الذي خسر من الزيارة شديدة الأهمية التي قام بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى العاصمة الصينية بكين في الأسبوع الماضي؟ محللون كُثر ركزوا على "المسألة الإيرانية" في مباحثات ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ، لكن قلة ركزوا على بقية النتائج، خصوصاً الاقتصادية. "المسألة الإيرانية" بين أمريكا والصين مهمة ومتداخلة ومعقدة، وفيها وجهات نظر كثيرة متعارضة ومتصادمة، وقد نرى بعض آثارها وتداعياتها في الفترة المقبلة، وبالتالي سنركز على الآثار الأخرى لأنها هي الأساس، رغم أن ذلك قد يدهش كثيرين..
فإذا كانت الصين لم تدخل في صراع مفتوح مع الولايات المتحدة بشأن تايوان، وهي أرض صينية والسبب أن بكين ترى أن ما يهمها الآن هو صعودها الاقتصادى وعلاقتها مع الولايات المتحدة التي تعد السوق الأهم للمنتجات الصينية.. إذا كان الأمر كذلك، فسوف يكون من المنطقى ألا تدخل الصين في صراع علني ومكشوف مع واشنطن دفاعاً عن إيران.. لا يعني ذلك أن الصين سوف تتخلى تماماً عن طهران، لكن ذلك إذا حدث فسيكون أولاً وأخيراً في إطار ما يحقق المصالح الصينية أولاً وأخيراً.
نعود إلى نتائج القمة لنكتشف أن الطرفين حققا مكاسب ومنافع متبادلة، وإن كانت تقديرات مراقبين ومحللين عدة ترى أن الصين خرجت بمكاسب استراتيجية، في حين حققت الولايات المتحدة "بعض" النتائج والصفقات الاقتصادية. نعرف أن فائض التبادل التجاري بين البلدين تتفوق فيه الصين منذ سنوات بعيدة، لكن ترامب يحاول منذ ولايته الأولى تقليل هذا الفائض إلى أقصى درجة ممكنة، طبقاً لأحدث الأرقام فإن الفائض وصل الآن إلى نحو 202 مليار دولار، حيث تصدر الصين لأمريكا سلعاً وخدمات بنحو 308 مليارات دولار وتستورد منها بنحو 106 مليارات دولار، أما في الخدمات فإن أمريكا تتفوق نسبياً، حيث تصدر للصين بنحو 56 مليار دولار وتستورد منها بنحو 22 مليار دولار.
وقد استخدم ترامب سلاح الرسوم الجمركية بغزارة مع الصين والعديد من دول العالم لتخفيض العجز التجاري معها، كما استخدم إجراءات عدة، خصوصاً الحوافز والعقوبات لإعادة المصانع والصناعات الأمريكية من الخارج، خصوصاً من الصين وجنوب شرق آسيا إلى الداخل الأمريكي. في نهاية الزيارة، قال ترامب إن الصين وافقت على شراء النفط الأمريكي، وهو أمر لم يتم حسمه بصورة نهائية، وكذلك موافقتها علي شراء 200 من طائرات شركة بوينغ الأمريكية، علماً أن التقارير السابقة كانت تقول إن ترامب يريد من الصين شراء 500 طائرة، وهو أمر مهم لأن بكين لم تكن تشترى من بوينج منذ سنوات بعيدة.
الوفد الذي رافق ترامب ضم العديد من كبار رجال الأعمال الأمريكيين، الأمر الذي دفع المحللين إلى القول إن الزيارة سوف تقود إلى المزيد من الانفتاح والمنافع الاقتصادية، وفتح الأسواق الصينية مرة أخرى أمام الشركات الأمريكية. وهذا الوفد الرفيع كشف عن أن واشنطن نفسها لا تستطيع فك الارتباط الكامل مع الصين، خاصة في أشباه الموصلات والتصنيع، وبالتالي فإن الخاسر الأكبر في هذه الزيارة هو التيار الذي كان يطالب بالفصل الكامل والعزلة بين البلدين الكبيرين، إضافة الي أن بعض الدول الآسيوية لن تكون سعيدة وهي ترى هذا التقارب لأنها تعتقد أنه سيكون خصماً من علاقاتها مع واشنطن.
مجمل النتائج الاقتصادية للزيارة هي رسالة إيجابية للاقتصاد العالمي الذي يعاني أزمات عدة، لأن هذه النتائج تعطي إشارات إيجابية بأن التوتر ينخفض والصدام يتراجع إضافة إلى تهدئة ملفات الرقائق والمعادن النادرة وسلاسل التوريد. في الناحية الأخرى، لا توجد أي إشارات على أن الصين قد قدمت أي تنازلات جوهرية في الملفات الحساسة بين البلدين، خصوصاً الذكاء الاصطناعى وبحر الصين الجنوبي والتكنولوجيا المتقدمة، إضافة إلى ملفَي تايوان وإيران بالطبع.. والمعنى الواضح أن بكين ربما وافقت على التهدئة، لكن من دون تغيير جوهري في سياساتها، كما أن وجود رؤساء شركات التكنولوجيا الأمريكية الكبرى في الوفد كشف عن أهمية السوق الصيني لها، وهو ما ينسف كل محاولات ترامب للعزلة وفك الارتباط، علماً أن الصين تتقدم بخطى ثابتة في غالبية قطاعات التكنولوجيا.
لكن ربما يكون المكسب الأهم للصين ليس اقتصادياً - وهي متقدمة فيه أساساً - بل إقرار الولايات المتحدة ورئيسها بمكانة الصين الدولية وسط أزمات عدة في العديد من مناطق العالم، من أول أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، مروراً بأوروبا وأزمات المناخ والتضخم والركود وأزمة الطاقة العالمية المتفاقمة. ترامب يتنمر على غالبية دول العالم وقادتها، لكنه لم يفعل ذلك قطّ مع الصين وقادتها.. لقد أجّل الزيارة أكثر من مرة لبكين حتى يزورها ومعه ورقة إيران ومضيق هرمز وملف الطاقة بأكمله، لكنه في النهاية ذهب إلى هناك بحقيبة فارغة.
محللون عدة يعتقدون أن ترامب صار عالقاً في وضع شديد الصعوبة في الأزمة مع إيران، وليس من مصلحة الصين أن تنقذه.. وقبل أسابيع كان غلاف مجلة الإيكونوميست الشهيرة يحمل عبارة مهمة على لسان الصين موجهة لأمريكا تقول: "إذا رأيت خصمك غارقاً في المشكلات فلا تقاطعه!". عموماً تداعيات هذه الزيارة ستظهر تباعاً في الفترة المقبلة ليس عبر البيانات والتصريحات المعسولة، ولكن على أرض الواقع.
(البيان الإماراتية)

