دوافع الرئيس الأمريكي ترامب لشن حرب جديدة على إيران كثيرة وقوية، فهو لا يمكن أن يقبل بالفشل أمام إيران، لأنه يعني فقدان المزيد من الهيبة والهيمنة، بما يؤدي لفشل مشروعه في غزو عدة بلدان سبق أن حدد بعضها، وستتلوها بلدان أخرى في حال نجح في تغيير الأنظمة، والسيطرة على موارد وأراضي عدة دول وضمها للولايات المتحدة، ليتمكن من تحقيق شعار "لنجعل أمريكا عظيمة مجددا".
وتعد الحرب على إيران مفصلية للولايات المتحدة، فالخسارة ستفقدها ثقة الحلفاء، ليس في المنطقة فحسب، وإنما في باقى العالم، ويمكن أن تشجع بلدانا وجماعات أخرى على شن حروب وهجمات تستهدف القواعد والمصالح الأمريكية، وستنهار مبيعات الأسلحة، وتصبح إسرائيل في مأزق وجودي، ولهذا إما أن يتوصل إلى حل يعد بالفعل انتصارا أو يجدد القصف حتى التوصل إلى تسوية يجب أن تكون أفضل من الاتفاق النووي السابق الذي مزقه، واتهم فيه الرئيس الأمريكي الأسبق أوباما أنه تهاون وتراجع أمام إيران، بينما المطروح حاليا أقل بكثير من اتفاق أوباما، فالتفاوض يتعلق حاليا باليورانيوم المخصب لمستوى 60%، والذي لم يكن موجودا عندما أعلن إلغاء اتفاق أوباما، وكذلك لم تكن إيران قد سيطرت على مضيق هرمز.
الجولة الجديدة من الحرب ضرورية لكل من ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي نيتانياهو، لكنها تحمل الكثير من المخاطر التي قد تدفع ترامب للتراجع. فهذه الجولة لن تكون مفاجئة كسابقتها، وإيران متأهبة للحرب، ولم تعد تخشى حدوث اضطرابات بعد أن منحت الجولة الأخيرة دفعة قوية للنظام الذي يشعر بنشوة انتصار لم يقلل منها حجم المعاناة والخسائر الناجمة عنها. كان الرئيس ترامب قد أعلن أنه يؤجل شن حرب جديدة على إيران استجابة لطلب عدد من قادة دول الخليج، بينما المرجح أن قادة دول الخليج، بل قادة المنطقة اعترضوا على توجيه ضربة من شأنها إشعال حريق واسع، ودمار سيتسع مداه إلى أبعد من المنطقة، فالهجوم المحتمل على البنية التحتية في إيران سيكون الرد عليه إشعال آبار ومصافى النفط والغاز والكهرباء وتحلية المياه فى دول الخليج، والتي ستدفع ثمن تلك الجولة أيضا، والمرجح أنها ستكون أكثر تكلفة بكثير إذا استهدفت القوات الأمريكية البنى التحتية للطاقة والكهرباء ومحطات التحلية والجسور في إيران، وهي المواقع التي هددت باستهدافها، بعد أن استنفدت بنك أهدافها خلال حرب الأربعين يوما.
إن استهداف آبار النفط والغاز والبنى التحتية المدنية سوف يؤدي إلى عمليات نزوح وتهجير واسعة، وسيدخل العالم في أزمة اقتصادية خطيرة للغاية، مع ارتفاع هائل لأسعار النفط والغاز لن تتحمله اقتصاديات العالم، ومنها الاقتصاد الأمريكي، وسيكون له ارتدادات اقتصادية وسياسية واجتماعية خطيرة، تضرب معظم بلدان العالم. ليس هذا كل ما يخشاه الرئيس ترامب، فهناك احتمالات قوية بخسائر أمريكية أكبر من الجولة الأولى، خاصة إذا كانت إيران قد حصلت على أسلحة جديدة، واستنفاد القوات الأمريكية نسبة كبيرة من ذخائرها الدقيقة وصواريخ الدفاعات الجوية، وفي حالة الفشل المرجح فى تحقيق مكاسب أعلى سيكون وضع الرئيس ترامب أسوأ على الصعيدين الداخلى والعالمي، وستشهد المدن الأمريكية احتجاجات على صدى الخسائر وتفاقم الأزمة الاقتصادية، وسيخسر الحزب الجمهوري انتخابات التجديد النصفي، ويصبح ترامب عاجزا عن اتخاذ قرارات فاعلة عند اعتراض متوقع من نواب الحزب الديمقراطي على قراراته بعدما يفوزون بالأغلبية، لتصبح فترة العامين المتبقية للرئيس ترامب معارك دائمة في قاعات الكونغرس والشارع الأمريكي، ولن يكون بإمكانه اتخاذ قرارات مؤثرة.
التوقيت غير مناسب لجولة جديدة من الحرب، حيث تشهد الولايات المتحدة افتتاح مباريات كأس العالم، وما ستضمه من جماهير من مختلف الجنسيات، وقد تتحول في حال اندلاع الحرب إلى موجة احتجاجات واضطرابات. كما أن الحرارة في دول الخليج وجنوب إيران ترتفع في الصيف إلى ما فوق الخمسين درجة مئوية، والتي لا يمكن للجنود الأمريكيين احتمالها، خاصة عند نشوب حرب برية ضرورية من أجل فتح مضيق هرمز، إلى جانب التحذيرات من قادة البنتاغون من وقوع خسائر ضخمة في حال الشروع في عملية برية.
الكثير من العقبات تعرقل شن جولة جديدة من القتال مع إيران، والكثير من الدوافع لشن الحرب قائمة، والرئيس الأمريكي وإدارته أمام خيارين مريرين، فلا الفشل يمكن قبوله وتحمله، وطريق الحرب مليء بالعقبات والدمار الواسع، والمؤكد في كلا الحالين أن الولايات المتحدة تفقد مركزها الأول كقوة عالمية، وأن الصين تتجاوزها في الاقتصاد والقوة العسكرية.
(الأهرام المصرية)

