تتدحرج الحرب الأوكرانية بوتيرة متسارعة لتشمل أوروبا، بعد اتهامات روسية بانطلاق طائرات مسيرة من أجواء دول أوروبية لتضرب العمق الروسي، وتستهدف قطاع الطاقة ومواقع عسكرية حيوية. كانت الأصوات قد تعالت في موسكو داعيه إلى توجيه ضربات إلى الدول التي عبرت منها الطائرات المسيرة، وكذلك مواقع التصنيع العسكري التي تمد أوكرانيا بالأسلحة، وتشمل مواقع في بريطانيا وفرنسا وألمانيا وبولندا، ومن أبرز الداعين لهذه المواجهة سيرجي كراجانوف أستاذ العلوم السياسية والمقرب من دوائر صنع القرار، ويتبنى المواجهة العنيفة مع أوكرانيا وأوروبا.
وفي سياق متصل اتهم مدير المخابرات الروسية سيرجي ناريشكين الدول الأعضاء في حلف الناتو أنها تعد لصراع مسلح واسع النطاق ضد روسيا، مع أنشطة استخباراتية وتدريبية، وتحديث للبنية التحتية العسكرية. لا تخفي دول الاتحاد الأوروبي استعدادها للحرب، فقد خصصت 800 مليار يورو لخطة إعادة تسليح أوروبا التي أسمتها "الاستعداد 2030"، بل تعمل منذ اندلاع الحرب الأوكرانية على تهيئة الرأي العام لحرب مقبلة، تروج أن روسيا ستشنها على أوروبا، وتجري دول أوروبا مناورات بوتيرة متسارعة إلى جانب حملة استنفار لمواطنيها، ودعتهم إلى إعداد الملاجئ، وتزويدها بأدوية ومواد إسعافات وأطعمة وشراب تكفي عدة أيام، وتجري عمليات تشييد وتقوية وتوسيع الجسور، لكي تناسب عبور المدرعات.
وكانت ألمانيا قد ألغت القيود الدستورية على التسلح، وتشيد مصانع أسلحة، مع ارتفاع نفير الحرب وموجة العداء ضد روسيا، التي تشمل أرجاء أوروبا، وأصبحت ألمانيا قاطرة الاندفاع نحو الحرب، بينما تحتل بريطانيا رأس الرمح. وترجح أوروبا أن الحرب في مواجهة روسيا قد تندلع علم 2030، على أساس أن أوروبا ستكون الهدف التالي بعد أوكرانيا، لهذا تبرر الدعم القوي بالمال والسلاح لأوكرانيا، لاستنفاد القدرات الروسية، لكن روسيا ترى أن حلف الناتو ضالع في الحرب عمليا، فهو من يرسل الطائرات المسيرة والصواريخ والمعدات، وهو من يوجه النيران والمسيرات بطائرات التجسس والأقمار الصناعية، ويحدد الأهداف والتوقيت.
وسبق أن اتهمت روسيا بريطانيا بالمشاركة في هجمات على قطع بحرية روسية، كما اعترضت طائرة تجسس بريطانية عملاقة كانت تحلق فوق البحر الأسود في الأسبوع الماضي، واقتربت منها طائرة سوخوي حتى مسافة 6 أمتار فقط، وأطلقت عليها كمية من الوقود، واحتجت بريطانيا على السلوك الخطير للطائرة الروسية، وقالت إن طائرة الاستطلاع كانت تحلق فوق المياه الدولية، ولم تخترق المجال الجوي الروسي، لكن روسيا رأت أن الطائرة تتجسس على مناطق واسعة من روسيا، لتزود بها القوات الأوكرانية، لتوجه نحو المواقع الحساسة صواريخها وطائراتها المسيرة.
الأجواء العدائية بين روسيا وأوروبا تزداد احتقانا بسرعة كبيرة في الأيام الأخيرة، خاصة بعد اتهام أوكرانيا باستهداف مسكن طلابي بطائرات مسيرة في مقاطعة لوهانسك، وسقوط نحو 30 طالبا بين قتيل وجريح، لتعلن روسيا أنها ستشن هجوما على العاصمة الأوكرانية كييف بوابل من الصواريخ والطائرات المسيرة، يستهدف لأول مرة مراكز صناعة القرار، ودعت السكان والدبلوماسيين الأجانب إلى مغادرتها، لتعيش أوكرانيا حالة من الذعر، تمتد إلى أوروبا، وترفع من حدة التوتر العسكري، خشية أن تمدد الحرب نحوها، خاصة دول البلطيق الثلاث "لاتفيا وإستونيا وليتوانيا"، والمرشحة لأن تكون الساحة الرئيسية لأي معارك مقبلة، لكونها تجهر بالعداء الشديد نحو روسيا، وتحرض على مواجهتها، والمتهمة باستهداف العمق الروسي بطائرات جاءت من أجوائها.
شرارة الحرب الواسعة قد تندلع في أي وقت، ولن تنتظر الموعد الذي توقعته العديد من دول أوروبا في 2030، وكان الرئيس الروسي بوتين قد أعلن الأسبوع الماضي أن "الحرب الأوكرانية ستنتهي قريبا"، وهي جملة تحتمل معنيين، إما الشروع في حل دبلوماسي، وهو ما لم تظهر أي مؤشرات عليه، وإما تخلي الرئيس بوتين عن سياسة الحرب المحدودة والبطيئة، والتي أصبحت مثار انتقاد في روسيا، وهو الاحتمال المرجح حاليا مع تصعيد لهجة التهديدات المتبادلة، ويأس بوتين من أن تؤدي العملية العسكرية المحدودة على أوكرانيا إلى نتائج دبلوماسية أو استنزاف أوروبا وتغييرها من الداخل، بينما الواقع أن أوروبا تمضي في طريق التصعيد رغم أزماتها الاقتصادية الحادة، وتوجه قسطا مهما من مواردها لإعادة التسليح ودعم الحرب في أوكرانيا.
ترى روسيا أن أوكرانيا أصبحت ساحة تنطلق منها نيران حلف الناتو على أرجائها، بينما تتقيد الضربات الروسية بأوكرانيا وحدها، التي استنفدت فيها بنك الأهداف مرات، ولهذا عليها أن توجه النيران للدول التي تمسك بالقرار، وتزود بالسلاح والمال وتحدد الأهداف وتوجه النيران نحوها، وهذه الرؤية تعني أن توسع الحرب بات قريبا، إن لم تتدارك الدول الضالعة في الصراع مخاطر انفلات حدود المعارك.
(الأهرام المصرية)

