"في المفاوضات لا نحصل على التنازلات من خلال المحادثات، ولكن عبر الصواريخ.. نحن لا نثق في الضمانات أو الأقوال، ولكن نؤمن بالأفعال وحدها، فهي وحدة القياس الأساسية". صاحب الكلمات السابقة هو محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني، على صفحته على منصة "إكس" يوم الجمعة الماضي. قاليباف هو من ترأس الوفد الإيراني في الجولة الأولى والأساسية من المفاوضات مع الولايات المتحدة في العاصمة الباكستانية إسلام آباد في الشهر الماضي.
كلمات قاليباف يفترض أن تكون هي القاعدة الأساسية في ذهن وعقل وتفكير أي مفاوض، ومن دون تطبيقها ستكون الخسارة محققة. هو أضاف القول: "الفائز من أي اتفاق هو من يستعد للحرب بشكل أفضل من اليوم التالي. ولن نتخذ أي قرار أو تحرك إلا بعد أن يبادر الطرف الآخر". ما قاله قاليباف عن التفاوض بالصواريخ أو عبر القوة ليس جديدا فقد قاله غالبية الخبراء والمحللين الاستراتيجيين الدوليين منذ عقود وقرون طويلة ومن بينهم المفكر الاستراتيجي "كارل فون كلاوزفيتز" بأن الدبلوماسية والمفاوضات لا تثمر عن نتائج حقيقية إلا إذا كانت مدعومة بقوة فعلية تفرض شروطك على طاولة الحوار أو بعبارة أخرى: "أنت لا تحصل على أي ثمن في المفاوضات إلا بقدر المدى الذىيتصل إليه صواريخك أو مدفعيتك أومقاتلاتك أو أي سلاح مؤثر تملكه".
لكن للأسف فإن العديد من المفاوضين العرب لم ينتبهوا جيدا إلى هذه القاعدة في العقود الأخيرة. حينما تجلس على مائدة التفاوض فأنت لا تجلس في جمعية خيرية توزع المساعدات أو الصدقات، بل تفاوض وتعافر وتقاتل بكل الأسلحة والقوة الشاملة الموجودة لديك. وإذا طبقنا الحرب الأخيرة كمثال فعلينا أن نتذكر أن الولايات المتحدة ومعها إسرائيل كانت تصر طوال الشهور التي سبقت الحرب على ضرورة تفكيك منظومة وشبكة الصواريخ الإيرانية طويلة المدى. بحيث لا يتجاوز مداها 300 كيلو متر، أي لا تعبر حتى حدود العراق إلى سوريا والأردن مثلا، ثم وخلال المفاوضات التي أعقبت وقف إطلاق النار تنازلت أمريكا وقالت إنه لا ينبغي أن تتجاوز ألف كيلومتر، والهدف الرئيسي ألا تصل إلى الحدود الإسرائيلية.
في الحرب الإسرائيلية الأولى على إيران في يونيو الماضي، ثم في الحرب الأخيرة كانت مخازن ومصانع ومنصات الصواريخ الإيرانية هي الهدف الجوهري لآلة الحرب الأمريكية الإسرائيلية. وزعم ترامب ونتنياهو أكثر من مرة أنه تم القضاء على البرنامج الصاروخي، لكن تقارير صحفية دولية ومنها "نيويورك تايمز" و"واشنطن بوست" استندت إلى تقارير استخباراتية أمريكية كشفت عن أن إيران ما تزال تملك من 70 ــ 90% من صواريخها ومنصات إطلاقها بل بدأت في ترميم المخازن التي تضررت. وأكاد أزعم أن مثل هذا التقرير ربما يكون أحد الأسباب الجوهرية التي دفعت ترامب لتجرع السم والموافقة على وقف إطلاق النار والدخول في المفاوضات.
لو كان العكس صحيحا فإن ترامب لم يكن يمنعه شيء من مواصلة القتال حتى استسلام إيران، فالرجل هدد بمحو الحضارة الإيرانية، وبالتالي لا يمكن أن يردعه شيء عن ذلك سوى أن هناك ثمنا كبيرا سوف يدفعه جراء ذلك. وأحد الدروس المهمة المستفادة من الصراع الأخير أن امتلاك الأوراق التفاوضية مسألة وجودية. نعرف تماما أن إيران كانت تصر طوال مفاوضاتها مع أمريكا على وجود ضمانات تمنع الأخيرة من إلغاء الاتفاق، كما فعل ترامب عام 2018 مع اتفاق " 1+6" الذي وقعه باراك أوباما. ثم اكتشفت طهران أنه لا ضمانات إلا قوتك. وأحد المسؤولين الإيرانيين قال حكمة مهمة قبل أيام خلاصتها أن الضمانة الأساسية الموجودة معنا الآن هي مضيق هرمز.
ومعنى كلامه أنه إذا انقلبت أمريكا وإسرائيل على أي اتفاق محتمل بين الطرفين، فإن إيران لن يشغلها كثيرا الضمانات الورقية، بل إغلاق مضيق هرمز، كما فعلت في الأزمة الأخيرة واكتشفت أن ورقة المضيق ربما تساوي "القنبلة النووية". الخلاصة أن السياسة والصراعات لا تعرف المبادئ ولا الأخلاق ولا الشرف، جيد أن نتمسك بذلك ونتصرف على أساسه، لكن قبل ذلك وبعده لا بد من امتلاك القوة للحفاظ على المصالح. قبل أيام كان هناك مقال شديد الأهمية في "الفورين بوليسي" للباحث ديفيد روبرتس، رئيس معهد كينج للدراسات الأمنية التطبيقية، عنوانه "على دول الخليج بناء أمنها بنفسها لا أن تشتريه"، وهو أمر يحتاج للتأمل والتفكير.
(الشروق المصرية)

