على وقعِ استمرارِ المجازرِ الإسرائيليّةِ في الجنوبِ، استُكملَت الجولةُ الثانيةُ من جلسةِ المفاوضاتِ الرابعةِ بينَ لبنانَ وإسرائيلَ برعايةٍ أميركيّةٍِ، وسطَ محاولاتِ ضغطٍ مارستها واشنطنُ بهدفِ تقريبِ وجهاتِ النظرِ المتباعدةِ بينَ طرفي الصراع. فالجانبُ اللبنانيُ يصرُّ على وقفٍ شاملٍ وكاملٍ للنارِ، يليه الانسحابَ الإسرائيليّ، فعودة النازحينَ إلى قراهم. فيما تريدُ تلّ أبيب التفاوضَ تحتَ النارِ وترفضُ فكرةَ الانسحابِ، مكرّرةً أهميةَ ضمانِ أمنِ المستوطناتِ الشماليّة. إذ إن هدفَ رئيسُ الوزراءِ بنيامين نتنياهو هو المماطلةُ والتسويفُ لتحقيقِ مطامِعِهِ السياسيّةِ، مع سعيِهِ إلى التهرّبِ من محاكمتِهِ بقضايا الفسادِ التي تلاحقُه. وأمامَ ضغطِ الميدانِ وتوسعِ العملياتِ العسكريةِ الإسرائيليّةِ، يجدُ لبنانُ نفسَهُ في موقفٍ حرجٍ. فهو عاجزٌ عن التخلي عن المسارِ التفاوضيِّ باعتباره الفرصةَ الوحيدةَ المتاحةَ حاليًا لمواجهةِ آلةِ التخريبِ، التي تُمعنُ في تدميرِ الجنوبِ والبقاعِ وتعميقِ الأزمةِ الداخليّةِ، وسطَ مخاوف بشأنِ أهميةِ ضمانِ السلمِ الأهليّ والحفاظِ عليه وعدمِ انزلاقِ الأمورِ إلى ما لا تحمدُ عقباه.
وفي هذا السياقِ، أفادَ بيانٌ مشتركٌ أصدرتهُ الخارجيةُ الأميركيّةُ باتفاقِ لبنانَ وإسرائيلَ على إنشاءِ مناطقَ أمنيّةٍ لبنانيّةٍ يُستبعدُ منهَا "حزبُ الله"، على أن يتولَى الجيشُ السيطرةَ الكاملةَ على تلكَ المناطق. في حين رُبِطَت الهدنةُ الهشّةُ بوقفٍ كاملٍ لإطلاقِ النارِ من جانبِ الحزبِ وإجلاءِ جميعِ عناصرِهِ من المناطقِ الواقعةِ جنوب نهرِ الليطاني. وذكرَ البيانُ أن "هذه الخطواتُ ستتيحُ إحرازَ تقدمٍ نحو اتفاقٍ شاملٍ للسلامِ والأمنِ"، مشددًا على "أن مستقبلَ العلاقةِ بين البلدينِ يجبُ أن تقرّرَهُ حكومتان سياديتان، مع رفضِ أي محاولةٍ، من أي دولةٍ أو فاعلٍ من غير الدول، لاحتجازِ مستقبلِ لبنانَ كرهينةٍ"، في إشارةٍ ضمنيّةٍ إلى إيران. ولا يمكنُ وصفُ هذه المستجدات بأنها حققَت خرقًا كبيرًا، كونَهَا أبقَت الأمورُ على حالِهَا من دونِ التوصلِ إلى حلولٍ جذريةٍ لا تبدو مُتاحةً في الوقتِ الراهنِ لاعتباراتٍ عدةٍ، أبرزُها التدخلُ الإيرانيّ في الشؤونِ اللبنانيّة. فكلُّ الحديثِ المُتكرّرِ عن فصلِ المسارين، وعن رفضِ استخدامِ البلادِ كورقةِ ضغطٍ من قبل طهرانَ، يبقَى في إطارِ الكلامِ "الفضفاض" من دون قدرةٍ فعليّةٍ على تنفيذِهِ على أرضِ الواقع. إذ يبدو "حزبُ الله" شديدَ الالتزامِ بالأجندةِ المرسومةِ له، ولو كانَ ذلكَ على حسابِ لبنانَ وشعبِه. بالتزامنِ، أوضحَ الرئيسُ الأميركيُ دونالد ترامب بأنه يريدُ "فصلَ" محادثاتِ لبنانَ عن مفاوضاتِ إيرانَ، مؤكدًا ما جرَى تداولُهُ في وسائل إعلاميّةٍ عن مكالمةٍ عنيفةٍ جمعته بنتنياهو. إذ قالَ: "كنت منزعجًا بعضَ الشيء من أنه يُقاتلُ لبنانَ باستمرار. في لحظةٍ ما قلتُ: بيبي، علينا أن نوقفَ ذلك".
ويبدو التعويلُ على خلافٍ أميركيٍ – إسرائيليٍ "ضربًا من الجنون"، فما يجمعَهُمَا أكبر بكثيرٍ مما يُحكَى عن فروقاتٍ في مقاربةِ بعض الملفاتِ، خصوصًا أن ترامبَ يبدُو مستعجلًا لإبرامِ تسويةٍ مع "نظامِ الثورةِ الإسلاميّةِ" تنهي الحالةَ الحاليّة. لذلك، تدّخلَ ترامبُ لمنعِ التصعيدِ الميدانيِ ووصولِ الغاراتِ مجددًا إلى بيروتَ، في محاولةٍ لمنعِ توقفِ المفاوضاتِ المستمرةِ مع طهرانَ أو عرقلتِهَا. ودخلَ النظامُ الإيرانيُ على خطِ المواجهةِ "حفاظًا على ماءِ الوجهِ"، وكرّرَ التمسكَ بجبهةِ لبنانَ و"المقاومة" كشرطٍ أساسيٍّ لاستكمالِ المحادثات. وهو كلامٌ جدّدَهُ وزيرُ الخارجيةِ عباس عراقجي، الذي نبّهَ إلى أن أيّ هجومٍ على العاصمةِ اللبنانيةِ سيؤدي إلى استئنافِ الحربِ في الشرقِ الأوسطِ "على نطاقٍ واسعٍ"، مشددًا على أن قواتَ بلادِهِ "على أهبةِ الاستعدادِ لضربِ إسرائيلَ إذا هاجمَت بيروت". وإذ ربطَ الأخيرُ العودةَ إلى طاولةِ المباحثاتِ مع الولاياتِ المتحدةِ بضمانِ "حقوقِ الشعبِ الإيراني وإنهاءِ الحربِ في لبنانَ"، لفَتَ إلى أنه لم يُحرَزْ أيُّ تقّدمٍ ملموسٍ في المفاوضاتِ مع واشنطنَ، على الرغمِ من استمرارِ تبادلِ الرسائل. كل هذه الحركةُ السياسيّةُ تبقَى "بلا بركة"، طالما أنها لا تترافقُ مع وقفِ الغاراتِ والقصفِ العنيفِ، الذي ترتفعُ وتيرتُهُ يومًا بعد يوم. فأمس الأربعاء، كثّفَ الاحتلالُ عملياتِهِ، ما أسفرَ عن مقتلِ 22 شخصًا وإصابة 13 على الأقلِ، في 96 هجومًا إسرائيليًا على جنوبِ ووسطِ البلاد. واستكملَ العدوانُ الإسرائيليُّ وحشيتَهُ بغارةٍ استهدفَت منطقةَ خلدة، وتحديدًا عند الخطِ الساحليِّ الذي يربطُ العاصمةَ بالجنوبِ، بعد معلوماتٍ تحدّثَت عن أنَ الشخصَ المُستهدف هو عينُهُ الذي حاولَت إسرائيلُ اغتيالَهُ في غارةٍ نفّذتهَا على طريقِ سينيق- صيدا، في وقتٍ سابقٍ من أمسِ الأربعاء.
وتُكرّرُ تلُّ أبيب "نموذجَ غزّة" في لبنانَ، وسطَ عجزِ الدولةِ اللبنانيّةِ، التي تضعُ كل آمالِهَا في "السلّةِ الأميركيّةِ" علَّهَا تُقنعُ نتنياهو بوقفِ التدميرِ المُمنهجِ الحاصل. فستكونُ لهذا التدميرِ تداعياتٌ خطيرةٌ وجسيمةٌ على المدى الطويلِ، خصوصًا في حالِ طالَ أمدُ الأزمةِ الراهنة. في المقابلِ، أعلنَ "حزبُ الله" في بياناتِهِ أنه استهدفَ بمسيّرتينِ انقضاضيتينِ تموضعًا قياديًا للقواتِ الإسرائيليّةِ في محيطِ قلعةِ الشقيفِ الاستراتيجيّة جنوبي لبنان، كما قصفَ بالصواريخ تجمعاتٍ للاحتلالِ في الأطرافِ الجنوبيّةِ لبلدةِ دبين، ومحيطِ بلدةِ يحمر الشقيف، ما أدى إلى سقوطِ إصاباتٍ مؤكدة. في غضونِ ذلكَ، أكدَ رئيسُ الوزراءِ الإسرائيليِّ أنه يتشاركُ مع ترامبَ الهدفَ عينه، وهو تجريدُ "حزبِ الله" من سلاحه. كما ذهبَ أبعد من ذلك، حين أعلنَ أن المطلوبَ هو جعلُ لبنانَ منزوعَ السلاحِ "تمهيدًا لتحقيقِ سلامٍ بين البلدينِ"، مُعتبرًا أن الحزبَ "يضعُ جميعَ المواطنينَ اللبنانيينَ تحت تهديدِ السلاح". ويريدُ الأخيرُ الإبقاءَ على بندِ حريةِ الحركةِ في لبنانَ بحجةِ منعِ "حزبِ الله" من إعادةِ التسلّحِ وبناءِ ترسانتِهِ مجددًا. فيما تتزايدُ الانتقاداتُ الداخليةُ لأداءِ الجيشِ، وتخبطِ إدارةِ نتنياهو وعجزِهَا عن وقفِ مُسيّراتِ الحزبِ، التي تسبّبُ المزيدَ من الخسائر. ووصفَت صحيفةُ "يديعوت أحرونوت" وضعَ الجيشِ الإسرائيليِّ بالأكثرَ تعقيدًا، إذ يتعينُ عليه الاستمرارَ في تحملِ عبءِ حربِ استنزافٍِ داخلَ لبنانَ لفترةٍ غيرِ محدودة.
المعضلةُ الحقيقيّةُ المتمثلةُ في سلاحِ "حزبِ الله"، التي يواجهُهَا لبنانُ وسطَ عجزِهِ عن تحمّلِ كمِّ الضغوطِ التي يرزحُ تحتَهَا، سواء على الصعيدِ الاقتصاديِ أو الاجتماعيِ أو المعيشي. فالبلادُ لم تخرجْ من تداعياتِ حربِ العامِ 2024 حتى وجَدَت نفسهَا في مأزقٍ جديدٍ أكثرَ خطورةً وبفواتير باهظة، في بلدٍ يعتمدُ بالدرجةِ الأولى على القطاعِ السياحيِّ والخدماتيِّ. ويحذّرُ المعنيونَ من السيناريو الأسوأ، لكن من دونِ وجودِ حلولٍ عمليةٍ وواقعيةٍ في انتظارِ ما ستحملُهُ الأيامُ المقبلةُ، وتحديدًا على صعيدِ مباحثاتِ واشنطنَ وطهرانَ، التي تشهدُ حالةً مستمرّةً من المدِّ والجزرِ، وسطَ تناقضاتٍ وتضاربٍ في التصريحات. فبينما نقلَت وكالةُ "تسنيم"، التابعةِ لـ"الحرسِ الثوري"، عن مصادرَ مطلعةٍ قولهَا إن إيرانَ لم تقدمْ خلال الأيامِ الماضيةِ أيَّ ردٍّ إلى الولاياتِ المتحدةِ بشأنِ نصِ التفاهمِ المقترحِ، خلافًا لما وصفتهُ بـ"تصوراتِ" ترامب بشأنِ مسارِ المفاوضات. وفي حين تَمسّكَ رئيسُ البرلمانِ الإيرانيِّ محمد باقر قاليباف بمقولةِ إنَ "زمنَ تهديدِ بلادِهِ من دونِ كلفةٍ انتهى"، أفادَ عضوُ الفريقِ الإعلاميِ المفاوضِ سعيد أجورلو أنَ أيَّ اتفاقٍ يجب أن يتضمنَ إنهاءَ الحربِ والوقفَ التامَ للعملياتِ العسكريةِ على كافةِ الجبهاتِ، واتخاذِ إجراءاتٍ ملموسةٍ في 4 قضايا رئيسيّةٍ تشملُ مضيق هُرمزَ، رفع الحصارِ والقيودِ والعقوباتِ النفطيةِ، والإفراج عن بعضِ الأصولِ والمواردِ الإيرانيّةِ المُجمّدةِ، ثم الانتقال للنقاشِ بشأنِ القضايا المتعلقةِ بالملفِ النوويّ، وتشكيل لجنة مراقبةٍ لتنفيذِ التفاهمات.
وتكشفُ هذه الشروطُ مدَى غيابَ الأرضيّةِ المشتركةِ وتمسّكِ كل طرفٍ ببنودِهِ، على الرغمِ من مساعي الوسطاء. فإسلام آباد تستمرُ في لعبِ دورِ الوسيطِ ومحاولةِ تبديدِ المخاوفِ وتقليصِ حجمِ تآكلِ الثقةِ، بينما تستفيدُ قطرُ من علاقاتِهَا الديبلوماسيةِ لتخفيفِ حدّةِ الاحتقان. وفي هذا الإطارِ، تلقَّى أميرُ قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني اتصالًا هاتفيًا من الرئيسِ ترامب، استعرضَا خلالَهُ آخرَ مستجداتِ الأوضاعِ في منطقةِ الشرقِ الأوسطِ والجهودِ الإقليميّةِ والدوليّةِ الراميةِ إلى خفضِ التصعيدِ وتعزيزِ الاستقرار. وتتزامنُ قناةُ الدوحةِ التفاوضيةِ مع الاعتداءاتِ المستمرةِ على الدولِ الخليجيّة. إذ وفقًا لرصدٍ أجرتهُ صحيفةُ "الشرق الأوسط"، بلغَ إجمالي الهجماتِ الإيرانيّةِ على هذه الدولِ منذُ بدايةِ الحربِ في شباط/ فبراير الماضي وحتى مطلع حزيران/ يونيو الحالي نحو 7028 هجومًا، شملَت نحو 1716 صاروخًا و5311 طائرةً مُسيّرة. وتتصدّرُ الكويتُ القائمةَ، إذ تُعتبرُ الأكثرَ عرضةً للاستهدافِ، كان آخرُهَا فجر اليوم الأربعاء، الذي أسفرَ عن مقتلِ شخصٍ ووقوعِ عددٍ كبيرٍ من الإصاباتِ في صفوفِ المدنيين. وذكرَت الخارجيةُ الكويتيةُ أن هذه الاعتداءات "استهدفَت المنشآتِ المدنيّة والحيوية، ومنها مطارُ الكويت الدوليّ، ما تسببَ بأضرارٍ فادحةٍ، فضلًا عن خسائرَ في المنشآتِ الحيويةِ، من ضمنِهَا بعثاتٌ دبلوماسيّة". وعقبَ هذه التطورات، صعّدَت الكويتُ خطواتِهَا، فاستدعَت القائمَ بالأعمالِ بالإنابةِ في السفارةِ الإيرانيّةِ لديها حامد حميد يعقوبي فر، وسلّمتهُ مذكرةَ احتجاجٍ رسميّةٍ وقرارًا بتخفيضِ عددِ أعضاءِ البعثةِ الدبلوماسيّةِ في البلادِ، واعتبارِ اثنينِ منهمَا غير مرغوبٍ فيهما (من دون تحديدِ هويتهما)، وطلبت مغادرتهما أراضي الدولةَ خلالَ مدةٍ أقصاهَا 24 ساعة.
إصرارُ إيرانُ على العبثِ بأمنِ الدولِ الخليجيّةِ، وعدمِ احترامِ حسنِ الجوارِ، بدآ يطرحَانِ أكثرَ من علامةِ استفهامٍ حولَ ضرورةِ اتخاذِ خطواتٍ أكثرَ فعاليةً، وتوحيدِ الصفِ العربيِّ لمواجهةِ ما يُرسم للمنطقة. وتزامنَت خطواتُ الكويت مع إعلانِ البحرين القبضَ على 15 شخصًا يمثلونَ المنفذينَ الميدانيينَ في قضيةِ "عملاءَ إيران" في البلاد، المرتبطين بوكلاءِ "الحرسِ الثوري" الإيرانيّ، عبرَ التحريضِ ومحاولةِ التأثيرِ على المواطنينَ لتنفيذِ أعمالٍ إجراميّة. ومجموعةُ الخلايا التي كُشِفَت مؤامراتِهَا ومخططاتِهَا تزيدُ من التنافرِ والتباعدِ، خصوصًا أن الآثارَ التي تركتهَا هذه الحربُ تحتاجُ إلى وقتٍ لتخطيهَا، إن استطاعَت الدولُ المعنيةُ ذلك. على صعيدٍ متصلٍ، لا تزالُ إيرانُ مُتمسكةً بسياسةِ عرقلةِ الملاحةِ البحريةِ، ومحاولةِ فرضِ السيطرةِ على مضيقِ هُرمزَ، بينما تواصلُ الولاياتُ المتحدةُ حصارَ الموانئِ الإيرانية. بالتزامنِ، أعلنَت "سنتكوم" تنفيذَ ضرباتٍ "دفاعيةٍ" على محطةِ تحكّمٍ أرضيةٍ عسكريةٍ إيرانيّةٍ في جزيرةِ قشم، مشيرةً إلى أن الهجومَ جاءَ ردًا على "محاولاتِ هجومٍ" إيرانيّةٍ في المنطقة. وأكّدَ الجيشُ الأميركيُ أنَ أيًا من عناصرِهِ لم يُصبْ بأذَى، مضيفًا أن قواتِهِ "تبقَى في حالةِ يقظةٍ واستعدادٍ لمواجهةِ أيّ عدوانٍ إيرانيٍّ غير مبرّرٍ"، خلالَ وقفِ إطلاقِ النارِ الحالي. في موازاةِ هذ الصراعِ المُحتدمِ في الممرِ الحيويِّ الحساس، اتخذَ مجلسُ النوابِ الأميركيِّ قرارًا يأمرُ بإنهاءِ الحربِ على إيرانَ وسحبِ القواتِ فورًا، في ما يمكنُ اعتبارُهُ ضربةً سياسيّةً قاصمةً للرئيسِ ترامب. ويهدفُ القرارُ المطروحُ من النوابِ الديمقراطيينَ، إلى وقفِ حربِ إيرانَ لحين إصدارِ تفويضٍ بالأعمالِ القتاليّةِ من الكونغرسِ، ما يعكسُ تزايدَ القلقِ حتى بين الجمهوريينَ أنفسهم.
على المقلبِ الآخرِ، جدّدَت حركةُ "النجباء" العراقيّة رفضَهَا خطةَ "حصرِ السلاح"، التي تعملُ عليها الحكومةُ مع مجموعاتٍ أعلنَت انفصالَهَا مؤخرًا عن "الحشدِ الشعبي"، وهي "التيار الصدري" و"عصائب أهل الحق" و"كتائب الإمام علي". وشددَت هذه المجموعاتُ على تمسّكِهَا بمبدأِ "المقاومة"، وسطَ أسئلةٍ عدةٍ تُطرحُ عن كيفيةِ تطبيقِ الخطةِ وتنفيذِهَا على أرضِ الواقعِ مع غيابِ الآلياتِ الفنيّةِ الواضحةِ والصمتِ الإيرانيِّ حيالَ ما يجري لمن تصفهُم بـ"الحلفاء" أو "الوكلاء". وطوالَ سنواتٍ، كانت طهرانُ صاحبةَ النفوذِ الأوسعِ والكلمةِ الفصلِ في بغدادَ، فيما تواجهُ اليومَ مُبارزةً أميركيّةً وسط ضغوطٍ مُكثفةٍ تمارسهَا واشنطنُ لتقليصِ تمدّدِهَا الإقليميِّ وحلِّ الفصائلِ المواليةِ لها.
أما فلسطينيًا، فاستشهدَ 9 أشخاصٍ وأُصيب آخرون من ضمنهم أطفالٌ، في سلسلةِ غاراتٍ جديدةٍ نفذَهَا الاحتلالُ الإسرائيليُّ على قطاعِ غزّة، على الرغمِ من اتفاقِ وقفِ إطلاقِ النار. وتزامنَ القصفُ المُركّزُ مع تنفيذِ الاحتلالِ عملياتِ نسفٍ واسعةٍ داخلَ المناطق التي يُسيطرُ عليهَا في شمالِ وجنوبِ القطاع. ويعمدُ العدوُ إلى خلقِ جيلٍ من المرضَى والجوعَى والأرامل والعاطلين عن العملِ، ما يُسهّلُ تنفيذَ خطَتَهُ التي لم يتخلَّ عنها، والقائمة على تهجيرِ الفلسطينيينَ وسطَ استمرارِ الحصارِ وتقييدِ حركةِ الدخولِ والخروجِ عبرَ المعابرِ، وتحديدًا معبرُ رفح. في حين ينتظرُ مئاتُ المصابينَ دورَهُم للحصولِ على العلاجِ، بعد تدميرِ القطاعِ الطبيّ والاستشفائيّ ومنعِِ دخولِ الأدويةِ والعلاجات، لا سيّما لأصحابِ الأمراضِ المُزمنة.
في الجولة الصباحيّة على الصحف العربية، في الآتي أهم ما تناولته عربيًا وإقليميًا:
كتبت صحيفة "الدستور" الأردنيّة أن "عوامل كثيرة تجعلنا نحلّل بأن الاتفاق الايرانيّ - الأميركيّ بات وشيكًا، ومنذ فترة ليست بالقصيرة، ولكن هناك أسباب أخرى تؤخر الإعلان عن هذا الاتفاق أو "مذكرة التفاهم" - غير الملفات الكبرى كالملف النوويّ والصواريخ البالستية، ومضيق هُرمز والحصار، والودائع الإيرانيّة وغيرها، فهناك "الملف اللبنانيّ" الذي لا يقل أهمية عن باقي الملفات". واوضحت أن ترامب ربما "سيؤخر الإعلان عن الاتفاق، لقبيل الانتخابات النصفية المرتقبة في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، ليعتبر ذلك انتصارًا قد يساعده في الفوز في تلك الانتخابات لأن وضعه صعب للغاية، من دون الإعلان عن "صورة نصر" يرضاها المواطن الأميركي. أما نتنياهو، فلن يجد صورة نصر، وهو لا يبحث إلاّ عن حروبٍ تبقيه أطولَ فترةٍ في منصبٍ يحميه حتى الآن من دخول السجن".
صحيفة "الجريدة" الكويتية، بدورها، تحدثت عن الهجمات الإيرانيّة المتكرّرة، داعيةً إلى "تحرك دبلوماسي عاجل على أعلى المستويات، يقوده رجال دولة للاشتراك في لقاءات وحوارات جادة حول المصالح المشتركة مع كبار الساسة الأميركيين والأوروبيين، لأن الكويت تشتري كل أسلحتها بالمليارات من هذه الدول، كما تستثمر فيها حوالي تريليون دولار، إضافة إلى تحرك أوسع مع كل دول العالم يقوم على التعاون المشترك مع احترام دولنا واستقرارها وحرية قراراتها". وتابعت أنه "في هذه الظروف أيضًا لا بدّ من وحدة المواقف السياسية والدفاعية مع الشقيقة السعودية، تأييدًا لموقفها التاريخي وموقفنا في رفض الاتفاقات الإبراهيمية".
في سياقٍ متصل، رأت صحيفة "الوطن" البحرينية أن "النظام الإيرانيّ المجرم يتذرع دائمًا بحجج واهية وكاذبة، ويدعي أن رده على الهجمات التي تطالهم، رغم أن إيران تعرف جيدًا من أين تخرج هذه الهجمات وممن، لكنها تختار أن ترد بضرب دول مجلس التعاون الخليجي". وشنّت الصحيفة هجومًا حادًا على طهران، إذ قالت إن "هذا النظام المجرم لا تنفع معه هدنة، لأنه نظام غادر بطبيعته. نظام آثم نسي كل مواقف دول مجلس التعاون معه خلال أزماته، وكل الوقفات الإنسانية التي تبنتها دولنا، سواء أثناء الزلازل التي ضربت إيران في أعوام سابقة، أو خلال الأزمات الصحية والإنسانية". وأضافت أنه "على امتداد العقود، أثبت النظام الإيراني دائمًا أنه جار سوء، ولا تنفع معه محاولات مدّ جسور التعاون، أو مساعي استتابته، أو إقناعه بالتخلي عن جرائمه. ووصلنا اليوم إلى تطلع جامع، بأن يزول هذا النظام نهائيًا".
(رصد "عروبة 22")

