تحديات وحدة الساحات

صورتان لأمين عام "حزب الله" السابق حسن نصر الله والحالي نعيم قاسم خلال تجمع دعا له "حزب الله" في وقت سابق (إ.ب.أ)

ظلت إيران ترفع شعار وحدة الساحات فترة طويلة. عزفت على هذا الوتر كثيرا باعتباره خيارا مصيريا لكل قوى المقاومة.أعلنت كثيرا أنها حليفة أساسية لهم، وأكبر من كونهم أذرع وميليشيات وجماعات، أو وكلاء ينفذون أجندتها في المنطقة. مرت العلاقة بين إيران وحزب الله اللبناني باختبار صعب الأيام الماضية، حيث تعرض الحزب لضربات موجعة من إسرائيل، وزادت قوات الاحتلال من توغلها داخل جنوب لبنان، تجاوزت نهر الليطاني شمالا، دون أن تبدي إيران استعدادا واضحا لتطبيق مبدأ وحدة الساحات الذي يلزمها بمساعدة الحزب عسكريا.

خفف تهديد المتحدث باسم مقر خاتم الأنبياء مساء الاثنين بقصف شمال إسرائيل، ردا على اجتياح تنوي قوات الاحتلال القيام به لبيروت، من حدة اللوم والانتقادات والاتهامات التي وجهت إلى طهران مؤخرا. واضطر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الإعلان عن وقف العملية الإسرائيلية باتجاه بيروت، والتمسك بوقف إطلاق النار. دخل حزب الله الحرب ضد إسرائيل دعما لإيران وتطبيقا لمبدأ وحدة الساحات. بينما لم يقم بذلك في الحرب الأولى التي شنتها إسرائيل والولايات المتحدة على إيران في يوينو من العام الماضي. كما لم تقم طهران بمساندة الحزب مباشرة في كثير من حروبه السابقة.

تخلت إيران عن دعم حركة حماس الفلسطينية عسكريا عندما تعرضت لضربات واسعة من قبل إسرائيل بعد عملية طوفان الأقصى. تثير بعض المفارقات إشكاليات عدة حول التماسك والتفكك والتناقض الذي يخيم على فكرة وحدة الساحات، وما يكتنفها من غموض بشأن متى يتم الأخذ بها، ولماذا يتم تجاهلها أحيانا، وما هي المواءمات التي ترجح كفة تطبيقها أو النأي عنها، وهل التطبيق يقتصر على الشق السياسي والعسكري، أم الاكتفاء بأحدهما؟

توفر الإجابة عن هذه النوعية من الأسئلة مساحة جيدة لتفسير وفهم ما جرى ويجري بشأن العلاقة بين إيران وحلفائها في كل من غزة ولبنان العراق واليمن، وتعتمد أساسا على تقديرات كل طرف ورؤيته للمدى الذي يمكن أن تذهب إليه الحرب مع إسرائيل. فقد اعتقدت طهران عقب طوفان الأقصى ضرورة التريث في الدخول على خط المعركة التي تخوضها المقاومة الفلسطينية إلى حين استشراف آفاقها.

تبنت إيران هذا الخيار بعد تطمينات وصلتها من الولايات المتحدة وجهات إقليمية بعدم الانخراط في حرب غزة، وهي لا تعلم أن إسرائيل تعمل على تقويض حلفاء ووكلاء طهران في المنطقة تدريجيا. بدءا بإنهاء الوجود الإيراني في الأراضي السورية، وتطويق تهديدات جماعة الحوثي في اليمن، وصولا إلى تدمير البنية العسكرية التحتية لحماس، والسعي نحو إجبارها على نزع سلاحها رسميا.

بتوصية من إيران تمهل حزب الله في الدخول على حرب غزة، معتقدا أن إسرائيل لن تخوض معركتين في وقت واحد. وبعد أن دمرت قوات الاحتلال قدرات المقاومة في غزة، التفتت إلى الحزب وأرهقته كثيرا، ثم قبلت بوقف إطلاق نار برعاية أمريكية في نوفمبر 2024، شهد آلاف الخروقات ولم يتم احترامه، وهو ما يتكرر حاليا، حيث أعلنت الولايات المتحدة وقفا لإطلاق النار والشروع في مفاوضات بين تل أبيب وبيروت بواشنطن لإيجاد تسوية سياسية، لكنها سمحت لإسرائيل بمواصلة ضرباتها العسكرية في أنحاء مختلفة من لبنان تحت لافتة الدفاع عن النفس.

مع أن إيران ضمنت في رؤيتها للتوقيع على اتفاق إطار مع واشنطن بندا يقضي بوقف الحرب على لبنان، إلا أن إسرائيل زادت من وتيرة عمالياتها العسكرية واستهدافاتها لعناصر حزب الله، وحصلت على ضوء أخضر من الولايات المتحدة لتتمكن الأخيرة من فصل المسار الإيراني عن اللبناني، ومضاعفة وسائل الضغط على طهران، ومنح إسرائيل براحا من الوقت لاستكمال أهدافها فى جنوب لبنان.

وذلك في إعادة لتجربة إسرائيل في غزة، إذ تسيطر على نحو 60 في المائة وتريد زيادتها، والهيمنة على مناطق شاسعة في سوريا. ولاتحظى عملية القضم التي تقوم بها إسرائيل في هذه المناطق بإدانة أو رفض دولي واسع، أو ممانعة أمريكية صارمة، وقدمت واشنطن غطاء سياسيا كل مرة، مكن إسرائيل من الاحتفاظ بمكتسباتها.

ورغم التقدم المفرط في الأراضى اللبنانية وحاجة حزب الله إلى رافعة عسكرية تساعده على صد الهجمات التي تشنها إسرائيل، إلا أن إيران بدت بعيدة عن مساندته. لم تطبق سريعا المنهج الذي أسسته والخاص بوحدة الساحات، كأن هذه الوحدة تظهر فقط لمساندة طهران عندما تحتاجها، وأن الحلفاء وُجدوا لمساعدة إيران فقط. وهو ما انتبهت إليه إسرائيل وسعت لتفريغه من جزء معتبر من مضامينه العملياتية مؤخرا.

قد تكون طهران تريد الحفاظ على المسار التفاوضي مع واشنطن، وترى أنها قادرة على خدمة لبنان والدفاع عن حزب الله من خلال المفاوضات. لكن النتيجة الماثلة تقول إن واشنطن منتبهة جيدا لهذه المسألة، وتعمل على تكريس الفصل بين المسارين الإيراني واللبناني، ومنح إسرائيل الوقت لتصفية حساباتها مع حزب الله. واستنزاف طهران في مفاوضات تتقدم وتتأخر، إلا أنها تظل معلقة في رقبة الأهداف التي يريد نتنياهو تحقيقها في لبنان، يقينا بأن إيران لن تتحرك عمليا للحفاظ على مبدأ وحدة الساحات، والذى فقد جزءا من مفعوله بسبب الطريقة الانتقائية في تطبيقه..

(الأهرام المصرية)

يتم التصفح الآن