إِذا كانَ هَذا الميراثُ الثَّقيلُ عَظيمَ السّوءِ على أَوْضاعِ المُجْـتَمَعاتِ المُتَصادِمَة، مِنْ وَراءِ مَفْعولِ فِكْرَةِ العُنْصُرِيَّةِ فيها، وَعلى مَصائِـرِها وَمَناحي العَلاقاتِ بَيْنَها، فَهُوَ أَشَـدُّ وَطْـأَةً وَإيذاءً حينَ يَكونُ المُجْتَمَعُ الواحِدُ مَسْرَحَه، وَتَكونُ القُوى المُتَصارِعَةُ فيهِ مِنْ أَقْوامِ ذَلِكَ المُجْـتَمَع. على أَنَّ ما شَـهِدَ عَلَيْهِ العالَمُ مِنْ صِراعاتِ الأَعْراقِ وَالأَقْوام، في الأَزْمِنَةِ الحَديثَةِ وَالمُعاصِرَة، لا يُعادِلُهُ في الاحْتِدادِ ما شَـهِدَتْ عَلَيْهِ البَشَرِيَّةُ في أَزْمِنَةٍ سابِقَةٍ نَظَرًا إلى نِسْبَةٍ مِنَ العُنْفِ عُلْيا أَنْجَبَها التَّقَدُّمُ المَهولُ في إِنْتاجِ أَدَواتِ القَتْلِ وَالإِفْناء!.
لَمْ تَخْتَصَّ أُمَّةٌ بِعَيْنِها بِلَوْثَةِ العُنْصُرِيَّةِ العِرْقِيَّةِ تُجاهَ غَيْرِها مِنَ الأُمَمِ وَالأَقْوام؛ أَكانَ ذَلِكَ في الماضي أَوِ اليَوْم؛ إِذْ تَقاسَمَتِ الأُمَمُ كُلُّها وَالمُجْـتَمَعاتُ كُلُّها الإِصابَةَ بِهَذِهِ اللَّوْثَة، وَالانْسِكانَ بِشُـعورِ التَّفَوُّقِ الذّاتِيِّ على الغَيْر، وَبَنَتْ سُلوكَها الجَماعِيَّ ضِدَّ ذَلِكَ الغَيْرِ على هَذا المُقْتَضى.
صَحيحٌ أَنَّ هُناكَ جَماعاتٍ دينِيَّةً وَقَبَلِيَّةً عاشَتْ على فِكْرَةِ اصْطِـفائِها الإِلَهِيّ، وَآمَنَتْ بِأَنَّها "شَـعْبُ اللَّهِ" وَبِأَنَّها وَحْدَها خُصَّتْ بِرِسالَةٍ مِنَ السَّماء، وَبِعِنايَةٍ مِنَ السَّماء؛ وَصَحيحٌ أَنَّ فِكْرَةَ طَـهارَةِ عِرْقٍ ما أَوْ نَقاوَتِهِ وُجِـدَتْ لَدى جَـماعاتٍ أُخْرى اجْتِماعِيَّة، وَلَمْ تَكُنْ أَسْبابُهُ دينِيَّةً بِأَيِّ حال، وَلَكِنَّ هَذا لَيْسَ دَليلًا على أَنَّها وَحْدَها العُنْصُرِيَّةُ في الجَماعاتِ الإِنْسانِيَّة، بَلِ الأَمْرُ في هَذا يَتَعَلَّقُ بِتَفاوُتٍ في دَرَجـاتِ التَّشَبُّعِ بِالعُنْصُرِيَّةِ لا بِاسْتِثْناءٍ أَوْ تَفَرُّدٍ في بابِ التَّعبيرِ عَنْ هَذِهِ النَّزْعَة.
على هامش طفرة البيولوجيا الداروينية نشأت فلسفة اجتماعية جديدة عُرفت باسم الداروينية الاجتماعية
وَعِنْدي أَنَّ الاشْـتِراكَ العامَّ في الشُّـعورِ بِتَسامي العِرْقِ أَوِ المُحْتَد، عِنْدَ المُجْتَمَعاتِ وَالأُمَمِ، لَيْسَ سِوى التَّعبيرِ المُباشِرِ عَنْ نَزْعَةِ التَّمَرْكُزِ على الذّاتِ التي لا تَعْرى مِنَ الإِصابَةِ بِها جَماعَةٌ مِنَ الجَماعاتِ الإِنْسانِيَّة. هَذِهِ حَقيقَةٌ تَفْرِضُ نَفْسَها بِمَعْزِلٍ عَنِ العَوامِلِ وَالأَسْبابِ التي تُؤَدّي إِلَيْها، وَبِمَعْزِلٍ عَنْ مَصادِرِها التي تَنْهَلُ مِنْها مَوارِدَها: أَكانَتْ مَصادِرَ دينِيَّةً أَوْ ثَقافيةً أَوْ سِياسِيَّةً أَوْ أَنْثْروبولوجِيَّةً أَوْ ما إلى ذَلِك، ثُمَّ أَكانَتْ تَنْحَدِرُ مِنَ الماضي أَوْ تُعيدُ إِنْتاجَ نَفْسِها في الحاضِر.
بَدَأَتْ عُنْصُرِيَّةُ الأَعْراقِ تَنْهَلُ مَبادِئَها مِنْ نَتائِـجِ عُلومِ البِيولوجْيا في القَرْنِ الثَّامِنِ عَشَـرَ وَتُوَظِّـفُها في السِّياسات، بَعْدَ أَنْ تَمُرَّ تِلْكَ النَّتائِـجُ بِتَجْـرِبَةِ مُحاكاةٍ وَتَوْطـينٍ في مَيادينِ العُلومِ الاجْتِماعِيَّةِ وَالإِنْسانِيَّة: على مِثالِ ما جَرى في قَرْنِ هَذِهِ العُلوم (القَرْنِ التَّاسِعِ عَشَرَ) وَتَجَلّى في ميلادِ "نَظَرِيّاتٍ" اجْتِماعِيَّةٍ بِهَذا المَعْنى. على قاعِدَةِ نَظَـرِيَّةِ التَّطَـوُّرِ الدّارْوينِيَّةِ وَما كَشَفَتْ عَنْهُ مِنْ حَقائِـقَ تَتَعَلَّقُ بِتَطَـوُّرِ الكائِناتِ الحَيَّة، وَانْتِقالِها مِنْ طَـوْرٍ أَدْنى إلى طَوْرٍ أَعْلى في التَّكْوين، فُتِحَ البابُ فَسيحًا أَمامَ تَصْنيفِ النَّوْعِ الواحِد، في العالَمِ الطَّـبيعِيِّ إلى عائِـلاتٍ بِيولوجِيَّةٍ مُتَفاوِتَةٍ في نَفاسَةِ المُحْتَدِ وَمُتَدَرِّجَـة، تَفاضُلِيًّا، مِنَ الأَدْنى إلى الأَعْلى.
وَلَقَدْ بَدَتْ نَظَرِيَّةُ التَّطَـوُّرِ هَذِه، في مَيْدانِ عِلْمِ الأَحْياء، وَكَأَنَّها تَسْتَعيدُ تَصْنيفاتٍ قَديمَةً دُرِجَ عَلَيْها في عِلْمِ الكِيمِياءِ لِمَوادِّ الطَّـبيعَةِ غَيْرِ العُضْوِيَّةِ مِثْلَ المَعادِنِ وَالأَحْجـار، وَوَقَعَ التَّمْييزُ فيها بَيْنَ المَعْدِنِ النَّفيسِ وَغَيْرِ النَّفيس، بَيْنَ الأَحْجـارِ الكَريمَةِ وَالعادِيَّة. هَكَذا باتَ يُمْكِنُ تَقْسيمُ العالَمِ الحَيَوانِيِّ - نَظيرَ العالَمِ الطَّـبِيعِيّ: العُضْوِيِّ وَغَيْرِ العُضْوِيِّ - إلى أَنْواعٍ تَتَمَيَّزُ فيها هَذِهِ الفَصيلَةُ مِنْ تِلْكَ بِعَدَدٍ مِنَ "الخَصائِصِ الجينِيَّة"، ثُمَّ ما لَبِثَ أَنْ انْتَقَلَ التَّصْنيفُ التَّفاضُلِيُّ إلى العالَمِ الإِنْسانِيِّ نَفْسِهِ لِيُخْضِعَ الشُّـعوبَ وَالأُمَمَ لَه، وَلِتَتَوَلَّدَ مِنْ ذَلِكَ نَزْعَةُ العُنْصُرِيَّةِ العِرْقِيَّة!.
لَمْ تَكُنْ نَظَرِيّاتُ البِيولوجْيا الدّارْوينِيَّةِ قَدِ اسْتَقَرَّتْ في البيئاتِ العِلْمِيَّةِ الخاصَّةِ بِعُلومِ الطَّبيعَةِ وَفَرَضَتْ أَحْكامَها، حَتّى بَدَأَتْ تَنْفُثُ آثارَها في مَيْدانِ عُلومِ الاجْتِماعِ حَديثَةِ الوُجـودِ في ذَلِكَ الإِبان، وَالمَأْخوذَةِ - في الوَقْتِ عَيْنِهِ - بِنَموذَجِيَّةِ العِلْمِ الطَّبيعِيِّ التَّجْريبِيِّ وَالعِلْمِ الرِّياضِيّ. هَكَذا نَشَأَت، على هامِشِ طَفْرَةِ البِيولوجْيا الدّارْوينِيَّة، فَلْسَفَةٌ اجْتِماعِيَّةٌ جَديدَةٌ عُرِفَتْ بِاسْمِ الدّارْوينِيَّةِ الاجْتِماعِيَّة، وَكانَ هِرْبِرْت سْبِنْسِر أَوَّلَ مُمَثِّلٍ لَها. وَلَعَلَّها تَكونُ في جُمْلَةِ ما شَجَّعَ على فِكْرَةِ المُمايَزَةِ/المُفاضَلَةِ بَيْنَ الشُّعوبِ وَالثَّقافات؛ وَهِيَ الفِكْرَةُ التي شَهِدَتْ على ازْدِهارٍ في أَواسِطِ القَرْنِ العِشْرين.
العنصرية انطلقت موجاتها الكبرى من أوروبا
وَلَقَدْ صادَفَ أَنَّ طَـفْرَةً شَبيهَةً بِها شَرَعَتْ في التَّحَقُّقِ في مَيْدانِ عُلومِ اللُّغَةِ وَالفيلولوجْيا (Philology)، فَانْتَقَلَتْ مُعْتَقَداتُ البِيولوجْيا التَّطَوُّرِيَّةِ إِلَيْها، وَانْطَلَقَتْ معها مَوْجاتٌ مُتَلاحِقَةٌ مِنْ دِراسَةِ اللُّغاتِ وَالثَّقافاتِ وَاخْتِلاقِ نَسَبٍ لِكُلِّ واحِدَةٍ مِنْها، وَاصْطِناعِ سِماتٍ وَخَصائِصَ خاصَّةٍ بِكُلٍّ مِنْها، وَمِنْ ثمَّة، تَصْنِيفِها على أَساسٍ تَفاضُلِيّ. هَكَذا سَيُقَدِّمُ العِلْمُ مُساهَمَتَهُ في التَّأْسيسِ لِلْعُنْصُرِيَّةِ وَخِطابِها في العالَمِ المُعاصِر.
بَلَغَتِ العُنْصُرِيَّة، التي مَبْناها على الأَعْراقِ وَالأَجْناسِ وَالدِّماء، ذُراها في العالَمِ الحَديثِ وَالمُعاصِر، وَانْطَلَقَتْ مَوْجاتُها الكُبْرى في القَرْنِ التَّاسِعِ عَشَرَ مِنْ ساحَةٍ كُبْرى، مُهَيَّأَةٍ سَلَفًا لاسْتِهْلاكِ هَذِهِ النَّزْعَة، هِيَ أوروبّا: مَوْطِنُ نَزْعَةِ التَّمَرْكُزِ على الذّات - التي أَنْجَبَتْ ظاهِرَةَ المَرْكَزِيَّةِ الأوروبِّيَّة - وَمَوْطِنُ الثَّوْراتِ العِلْمِيَّةِ التي أَرْهَصَتْ بِفِكْرَةِ مَراتِبِ الأَعْراقِ وَمَحاتِدِها، وَكانَتْ حاضِنَةً لَها وَبيئَةً خَصْبَةً لِنُمُوِّها وَتَضَخُّمِها. وَمِنَ المُفارَقاتِ أَنَّ مَوْطِـنَ هَذِهِ المَوْجاتِ الجَديدَةِ مِنْ عُنْصُرِيَّةِ العِرْقِ هُوَ المَيْدانُ عَيْنُهُ الذي انْفَجَرَتْ فيهِ قُنْبُلَةُ العُنْصُرِيَّةِ وَتَفَجَّـرَتْ بِها بُلْدانُ أوروبّا بِرُمَّتِها. لَقَدْ كانَتِ النّازِيَّةُ الأَلْمانِيَّةُ هِيَ اللَّحْظَـةَ العُلْيا في نُمُوِّ الفِكْرَةِ العُنْصُرِيَّةِ وَالتَّعْبيرِ الأَشَـدَّ تَطَرُّفًا عَنْها في الوَقْتِ عَيْنِهِ الذي أَفْصَحَتْ فيهِ سِياسِيًّا عَنْ ثَقافَةِ التَّفَوُّقِ العِرْقِيِّ لِتَقودَ أوروبّا - وَتَقودَ نَفْسَها معها - إلى حَتْفٍ كُلِّيٍّ انْتَهَتْ بِهِ مَرْكَزِيَّتُها في العالَمِ بَعْدَ مَديدِ عُنْفُوان!.
هَكَذا وَقَعَ التَّزاوُج، في التَّجْرِبَةِ الأَلْمانِيَّة، بَيْنَ فِكْرَةِ التَّفَوُّق ــ وَقَدِ امْتَدَّتْ جُـذورُها إلى فَلْسَفَةِ كانْط وَفِخيتِه وَهيغِل ــ وَفِكْرَةِ القُوَّةِ التي نَظَّـرَ لَها نيتْشِه فَلْسَفِيًّا لِتَجِدَ، بَعْدَ عُقود، حامِلَها السِّياسِيَّ في المَشْروعِ السِّياسِيِّ لِلْحِزْبِ الوَطَنِيِّ النّازِيِّ الذي نَجَحَ في أَنْ يَسْتَثْمِرَ في نَكْبَةِ أَلْمانْيا، في الحَرْبِ الأولى، وَفي مَأْساةِ تَفْريقِ كِيانِها وَتَغْريمِها في "مُؤْتَمَرِ الصُّلْح" في باريس (1919).
(خاص "عروبة 22")

