كشفت التطورات المتسارعة أن المواجهة الأمريكية - الإيرانية دخلت مرحلة أشد خطورة، لكنها لم تقترب من الحسم بعد سبعة أشهر من المواجهات. جمعت إدارة الرئيس ترامب بين موجات من الهجمات العسكرية والتصعيد المنضبط من الطرفين ضربات على إيران خاصة في الأسابيع الأخيرة- ترافقت مع حملة تقودها وزارة تهدف لتشديد الخناق المالي والتجاري على إيران. ردت إيران كالعادة بتصعيد عبثي بالصواريخ والمسيّرات مدعية استهداف القواعد ومصالح أمريكية في الكويت والبحرين والأردن وكردستان العراق (قواعد عسكرية تم أخلاؤها).
والواقع أن كلا الطرفين في الشهر السابع من الحرب والهدن ووقف إطلاق النار ومفاوضات متعثرة وتدخل الوسطاء لعدم انزلاق الأوضاع إلى ما لا يُحمد عقباه، لم يحقق انتصاراً، ولم ينجح بتحقيق اختراق ينهي عبثية المراوحة المكلفة والمزعجة. وتبقى الخشية من توسيع رقعة الحرب وانزلاق المنطقة لحالة استنزاف جميع الأطراف. وخاصة مع دخول مضيق باب المندب في المعادلة مع تصعيد الحوثيين وتحكمهم بمضيق باب المندب. بعد سيطرتهم على ميناء ومدينة "المخا" الاستراتيجية على البحر الأحمر. فيما تشتبك القوات الحكومية اليمنية مع قوات الحوثيين في مأرب الغنية بالنفط والجوف. وفرض حظر على السفن وناقلات النفط السعودية. فيما انهارت قوات الحكومة. تقدمت إيران بمبادرة اجتماع مع دول مجلس التعاون الخليجي والعراق في مسقط اليوم!!
تزامن التصعيد في الخليج ومضيق هرمز والبحر الأحمر ومضيق باب المندب، مع اجتماعين يعكسان صراعاً أوسع على شكل النظام الدولي قيد التشكل. أصدرت "منظمة شنغهاي للتعاون" بقيادة الصين في بيشكيك - إعلاناً أدان الضربات والعقوبات المفروضة على إيران، وأقرت وثيقة لتعزيز التعاون في الأمن والطاقة والتجارة والموانئ والتكنولوجيا. ومنحت إيران مظلة سياسية وشبكة علاقات اقتصادية لتقليص حجم عزل إيران دولياً.
وحوّل وزير الخزانة الأمريكي اجتماع وزراء مالية مجموعة العشرين في الولايات المتحدة لمنصة لتوسيع "عملية المنبوذ الاقتصادي". بتطبيق أقسى العقوبات على المصارف والشركات المرتبطة بالحرس الثوري، وهدد الأطرف والدول التي تساعد إيران على خرق العقوبات بفرض عقوبات ثانوية عليها. لكن اجتماع وزراء المالية كشف محدودية النفوذ الأمريكي، باعتراض الصين على البيان، وبالتالي فقد الإجماع-بينما دعم الوزراء الأوروبيون الضغط الاقتصادي مفضلين منح الدبلوماسية فرصة.
يترافق ذلك مع تصعيد عسكري أمريكي باستهداف عشرات المواقع والمنشآت الحيوية، والدفاعات الجوية والرادارات ضمن سياسة الخنق- ويترافق كذلك مع الحصار البحري الكامل على مضيق هرمز وعلى الموانئ الإيرانية، لكن الواضح لم تنجح أمريكا بتحويل العمليات العسكرية لتسوية سياسية تجبر إيران على التنازل. بل تستمر إيران بالمقاومة، وشراء الوقت. فأطلقت أكبر موجة من الصواريخ على قاعدة الأزرق وموفق السلطي في الأردن. كما لا تزال الملاحة معطلة في مضيق هرمز -ولم تعد مذكرة التفاهم صالحة للعمل بها.
كما تستمر إيران بتعدٍ سافر على سيادة وأجواء الدول الخليجية والأردن بحجة ضرب القواعد الأمريكية الخالية! وخاصة على الكويت والبحرين والأردن. كما يتسبب استهداف السفن بتهديد التجارة والملاحة وإمدادات الطاقة-ما يهدد أمن الطاقة والاقتصاد العالمي الذي تتعمد إيران استعداءه!!
ويربك المشهد تبدل أهداف وألويات الولايات المتحدة في حربها على إيران الفاقدة للشرعية، والدعم الشعبي. يعارض استمرار الحرب أكثر من ثلاثة أرباع الأمريكيين. ومع التصعيد الأخير تجاوز سعر برميل النفط الخام برنت 108 دولارات!! ويرافق ذلك ارتفاع أسعار غالون البنزين لحوالي 4.25 دولا-بينما تجاوز سعر غالون الديزل الذي يستخدم في المواصلات ونقل البضائع بالشاحنات الكبيرة 6 دولارات للغالون. وهذه خطوط حمراء تضرب الناخب الأمريكي في جيبه!! ما يعني رفع أسعار كلفة المعيشة والغذاء بشكل كبير. وهذا ينعكس سلبا على الرضا وعلى شعبية الرئيس ترامب (33%) ومرشحي حزبه الجمهوري. قبل أسابيع من انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي في نوفمبر القادم. حسب استطلاع الرأي: يرى ثلثا الأمريكيين، أنه لم يكن يجدر خوض الحرب.
كما من تداعيات الحرب غير المحسوبة بسبب الحسابات الخاطئة، إحداث شرخ داخل حركة ماغا-القاعدة الشعبية الرئيسية للرئيس ترامب. تتهم النائبة السابقة مارجوري تايلور غرين ترامب بنكث وعوده، وتعهده بعدم شن حروب، وخفض كلفة المعيشة ونشر ملفات إبستين. وهو لم يحقق أيا منها!! وبرغم ادعاء الرئيس ترامب أن الحرب على إيران ستنتهي بعد انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر القادم-ومعه ستنخفض أسعار النفط- فيما مستشارو ترامب يتوقعون استمرار الحرب حتى نهاية رئاسة ترامب في يناير 2029.
وفي الوقت الذي يطالب الرئيس الإيراني بازشكيان بإنهاء الحرب والصمود. بات السؤال كيف يمكن إنهاء حرب الاستنزاف المكلفة حتى لا تتحول لحرب دائمة تستنزف الجميع وتدفع المنطقة لحافة الهاوية! كانت ملفتة كلمات ومواقف أمين عام مجلس التعاون الخليجي جاسم البديوي والمستشار والناطق الرسمي للخارجية القطرية د.ماجد الأنصاري ومستشار الرئيس الإماراتي د. أنور قرقاش- في "منتدى هيلي" الأسبوع الماضي في أبوظبي. أجمع المتحدثون على الحاجة لإعادة النظر بمعادلة الأمن الخليجي. ولم يعد التعويل على الحماية والردع الأمريكيين كافيا بمفرده بعد حرب إيران.
وبرغم التأكيد على استمرار الدور القيادي الأمني والشراكة الأمريكية-الخليجية، لكن ستكون بدون تبعية. إضافة لتطوير القدرات الوطنية للأمن الجماعي الخليجي. وتنويع الشراكات الأمنية، وتفعيل دبلوماسية ترتكز على الردع. والتعويل أكثر على القدرات الخليجية الذاتية والجماعية معاً-وتقليص الاعتماد على الردع الأمريكي.
(القدس العربي)

