صحافة

"المشهد اليوم"... لبنانُ يَتَرَقَّبُ "الهدنة" وباكستانُ تُعيدُ تَفعيلَ وَساطَتِها!واشنطن تُضَيِّقُ الخناقَ بَحرِيًا واقتِصادِيًا على طهران... وحربُ السودانِ تدخُلُ عامَها الرابع


من إستقبال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لقائد الجيش الباكستاني عاصم منير في طهران (موقع وزارة الخارجية الإيرانية)

تترقّبُ الساحةُ اللبنانيّةُ نتائج المفاوضاتِ الجاريةِ على أكثر من صعيدٍ، بعد الاجتماعِ الثلاثيّ الذي عُقِدَ في واشنطن، وشهِدَ محادثاتٍ مباشرةً بين لبنانَ وإسرائيلَ للمرّةٍ الأولى منذ نحو 43 عامًا. وتتباينُ السيناريوهاتُ المحتملةُ بينَ إمكانيّةِ تحقيقِ وقفٍ لإطلاقِ النارِ لمدّةِ أسبوع، نتيجةَ ضغوطٍ تمارسُها واشنطن على تلّ أبيب، بهدفِ تحقيقِ تقدّمٍ مع استئنافِ مفاوضاتٍ حاسمةٍ مع إيران، بعد مرورِ أسبوعٍ من التهدئةِ الهشّة. وفي الوقتِ عينه، تُراوحُ المواقفُ الإسرائيليّةُ بينَ الرفضِ والمماطلة، خصوصًا أنّ رئيسَ الوزراء بنيامين نتنياهو يسعى إلى كسبِ الوقت لاستكمالِ العملياتِ العسكريّةِ البرّيّةِ في الجنوب، وتحديدًا السيطرةِ على مدينةِ بنت جبيل بوصفِها عاصمةَ "حزبِ الله". فعلى الرغمِ من محاولةِ فصلِ المسارِ اللبنانيّ عن الإيرانيّ، تبقى الجبهتان مرتبطتين بطريقةٍ أو بأخرى، ما عكسَته الحركةُ المكوكيّةُ التي برزت فيها المملكةُ العربيّةُ السعوديّةُ كحاضنةٍ جديدةٍ، في محاولةٍ لمنعِ جرِّ لبنان إلى أتونِ الفتنةِ الداخليّة، كما لحمايةِ الحكومةِ اللبنانيّةِ التي تتعرّضُ لوابلٍ من الانتقاداتِ والتهم.

فعلى مدارِ سنواتٍ طويلةٍ، كانت الرياضُ وطهرانُ على خلافٍ، ما انعكسَ في لبنان، أما اليوم، فيبدو المسارُ المتّخذُ مغايرًا في ظلِّ المطامعِ الإسرائيليّةِ ومحاولتِها فرضَ اتفاقِ سلامٍ شاملٍ تحتَ النار، وهدمِ القرى الجنوبيّةِ ومسحِها عن بكرةِ أبيها. ومن هنا جاءت محاولاتُ نسبِ كلِّ طرفٍ الفضلَ في إمكانيّةِ وقفِ النارِ إلى نفسه؛ فإيرانُ تربطُه بما يحصلُ في باكستان، ولبنانُ الرسميّ يؤكّدُ أنّه ثمرةُ جهودٍ متواصلةٍ واتصالاتٍ لا تهدأُ من أجلِ الحدِّ من الاعتداءاتِ الإسرائيليّة. بينما يبدو "حزبُ الله"، في مكانٍ آخر، إذ يُعدّه دليلًا على صمودِه في الميدان وقدرتِه على مقارعةِ العدو، إلى جانبِ اعتباره نتيجةً لتمسّكِ طهرانَ به. وهذا "التناتشُ" ليس جديدًا على لبنان، الذي عاشَ مشتّتًا ومشرذمًا بين مشاريعَ إقليميّةٍ عدّة، كانت ولا تزالُ تجدُ فيه موطئ قدم. لكنّ ما يحصلُ اليوم في غايةِ الصعوبة، لأنّ المعطياتِ الإقليميّةَ مغايرةٌ، كما أنّ ظروفَ الحربِ التي تشنّها تلّ أبيب أضعفت لبنانَ وفككته أكثرَ، وأجبرته على دخولِ مفاوضاتٍ مباشرةٍ مع إسرائيلَ على قاعدةِ "مُجبرٌ أخاك لا بطل". فالجنوبُ يُدكُّ ليلًا نهارًا، والبلداتُ تُنسف، والقتالُ يحتدم، حتى إنّ العملياتِ وصلت إلى قلبِ العاصمةِ بيروت في يومِ "الأربعاءِ المشؤوم"- أو ما تتباهى إسرائيلُ بتسميتِه "الظلام الأبدي" - ولم تُوفّر أيَّ منطقةٍ، وصولًا إلى البقاع، مع تهديداتٍ بقصفِ نقطةِ المصنعِ الحدوديّةِ مع سوريا بحجّةِ وقفِ شبكاتِ تهريبِ السلاحِ إلى "حزبِ الله".

هذا الواقعُ أوجدَ مسارًا تقوده واشنطن، لم يُتَبَنَّ بحذافيرِه، بل جاء نتيجةَ ظروفٍ وضعت لبنانَ في قالبٍ فرض عليه التواجد بين خيارين أحلاهما مُرّ. لذلك، تبدو الأمورُ عالقةً "في عنقِ الزجاجة"، في انتظارِ الضغوطِ الدوليّةِ ونتائجِ مفاوضاتِ واشنطن وطهران، ليُبنى على الشيءِ مقتضاه. وإلى حينِ بروزِ معطياتٍ إيجابيّةٍ أو متقدّمة، واصلتْ إسرائيلُ غاراتِها مستهدفةً 72 منطقةً لبنانيّةً، ما أسفرَ عن سقوطِ 22 قتيلًا خلال الساعاتِ الماضية. فيما جدّدَ المتحدّثُ باسمِ جيشِ الاحتلالِ الإسرائيلي، أفيخاي أدرعي، إنذارَه إلى سكّانِ جنوبِ لبنان، الموجودين جنوبَ نهرِ الزهراني، داعيًا إيّاهم إلى إخلاءِ منازلِهم فورًا والتوجّهِ إلى شمالِ النهر. أمّا اللافتُ، فكان تمدّدُ الاستهدافاتِ لتشملَ، للمرّةِ الأولى خلال الحربِ الجارية، الطريقَ الساحليّة. إذ سقطَ 3 قتلى جرّاء غارتين نفّذتهما طائرتانِ مسيّرتانِ إسرائيليّتانِ على طريقِ صيدا – بيروت. وواصلَ الاحتلالُ استهدافَ المسعفين والفرقِ الطبيّةِ التي تعملُ على إنقاذِ الجرحى والمصابين، وتحديدًا في بلدةِ ميفدون الجنوبيّة، ما أدّى إلى سقوطِ 4 عناصرَ من "الهيئةِ الصحيّةِ الإسلاميّة" و"كشّافةِ الرسالةِ الإسلاميّة". وفي موازاةِ ذلك، نفّذت قوّاتُ العدوّ تفجيراتٍ ضخمة للمنازلِ في الناقورة والطيبة وعيتا الشعب، وعكستِ الفيديوهاتُ المنشورةُ حجمَ الدمارِ الكبير. يأتي ذلل في ظلّ تواصل المعارك البرّيّة، خصوصًا في بنت جبيل، التي يسعى بنيامين نتنياهو إلى تحويلها إلى معركة فصلٍ وحسم، بهدف توجيهِ رسالةٍ إلى الحزب، ومن خلفِه لبنان، مفادها أن إسرائيلَ تعملُ على فرضِ معطياتٍ جديدةٍ على الأرض لتوظيفِها لاحقًا في المفاوضات، في وقتٍ يتمسّكُ فيه بسقف مطالبٍ "عالٍ جدًا"، لا يستطيع لبنانَ قبولُه، على الرغمِ من صعوبةِ وضعِه.

وتتمحورُ الشروطُ بين التمسّكِ بفرضِ منطقةٍ عازلةٍ في الجنوب، وبدءِ الجيشِ اللبنانيّ بسحبِ سلاحِ "حزبِ الله" من كلّ لبنان، وتفكيكِ بنيتِه العسكريّةِ والأمنيّة. بينما يرفضُ لبنانُ بشكلٍ مطلقٍ المنطقةَ العازلة، ويطالبُ بانسحابٍ إسرائيليٍّ كامل، مقابلَ انتشارِ الجيشِ وتقديمِ المجتمعِ الدوليّ مساعداتٍ له. هذا التباينُ الشاسعُ، وتوسّعُ "الطلاقِ" الداخليّ، مع رفضِ "حزبِ الله" أيَّ مفاوضاتٍ مباشرة، وتحذيرِه من الحربِ الأهليّة، وفقَ ما جاء على لسانِ نائبِ رئيسِ المكتبِ السياسيّ للحزب، محمود قماطي. إذ أكّد الأخير أنّ جميع "الخياراتِ واردة"، منتقدًا الحكومةَ وأداءَها بسببِ ما أسماه عدمَ احترامِها "لسياساتِ حزبِ الله ولا سياساتِ المقاومة". ويرتكزُ "حزبُ الله" في هجومِه على نتائجِ الميدان، وقدرتِه على مواصلةِ ضربِ إسرائيل، وإعلانِه في بياناتِه المتتاليةِ عن تحقيقِ إصاباتٍ مباشرةٍ في صفوفِ العدوّ، الذي اعترفَ أمس بإصابةِ 5 من جنودِه إثرَ قصفٍ صاروخيٍّ من جنوب لبنان. وفي السياق عينه، أعلنَ الحزبُ أنّه نفّذ، منذ فجرِ الأربعاء، 59 هجومًا استهدفَ عبرها 15 مستوطنةً، وقوّاتٍ وآليّاتٍ ومواقعَ عسكريّةً إسرائيليّة، ردًّا على "خرقِ العدوّ لاتفاقِ وقفِ إطلاقِ النار". وتزامنًا مع هذا التصعيدِ جنوبًا، واستمرارِ ما يُشبهُ الهدنةَ "غير المُعلنة" في الضاحيةِ الجنوبيّةِ وبيروت، برزَ الحراكُ الدبلوماسيّ. إذ شكرَ رئيسُ الجمهوريّة جوزاف عون السعوديّةَ، وجهودَ وليّ العهدِ الأمير محمد بن سلمان، "التي وفّرت أجواءً لدعمِ الاستقرارِ في المنطقة". وأضاف: "آملُ أن يكونَ لبنان جزءًا أصيلًا في هذا الجهد، فالمملكةُ الراعيةُ لاتفاقِ الطائف هي موضع ثقةِ اللبنانيّين، ودولِ المنطقة، والعالم".

جاء ذلك بعد معلوماتٍ عن محاولاتٍ سعوديّةٍ للعبِ دورٍ، خصوصًا عقب زيارةِ المعاونُ السياسيّ لرئيسِ مجلسِ النواب النائبُ علي حسن خليل، إلى الرياض، ولقائه الأمير يزيد بن فرحان. ولا يمكنُ فهمُ هذا اللقاء، في ظلّ الظروفِ الدقيقةِ الراهنة، بمعزلٍ عن الاتصالاتِ التي أجراها وزيرُ الخارجيّةِ الإيرانيّ عباس عراقجي مع نظيرِه السعوديّ فيصل بن فرحان، في محاولةٍ لرأبِ الصدع وتهدئةِ الأجواء، بعد هجماتٍ إيرانيّةٍ لم توفّر أيَّ دولةٍ خليجيّة، ما وضعته طهران ضمن "حقّ الدفاع عن النفس"، ورفضته هذه الدولُ بشكلٍ قاطع، بعدما استهدفت الضرباتُ منشآتِها الحيويّةَ والمدنيّة. وفي هذا الإطارِ، برزَ اتصالُ الرئيسُ الأميركيّ دونالد ترامب بأميرِ دولةِ قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، مركّزًا على سُبلِ خفضِ التصعيد، وضمانِ استقرارِ أسواقِ الطاقة، والدفعِ نحو الحوار لحلّ الأزماتِ العالقة. وفي الوقتِ عينه، سًجِّل اتصالٌ هو الأوّل من نوعِه منذ بدءِ الحربِ على إيران، بين نائبُ رئيسِ دولةِ الإمارات الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، مع رئيسِ مجلسِ الشورى الإيرانيّ محمد باقر قاليباف، تناول مساراتِ التهدئةِ. وهذه المحاولةُ لكسرِ الجمود، تترافقُ مع مساعٍ من نظامِ "الثورةِ الإسلاميّة" لإعادةِ ترتيبِ العلاقاتِ مع دولِ الجوار، بعد النكسةِ التي مُنيَ بها خلال المرحلةِ الماضية. لكن ذلك لا يمكن أن يتحقّقَ "بلمحِ البصر"، في ظلّ تَكبُّد دولَ الخليجِ العربي فاتورةً مرتفعة، إذ تراوحُ كلفةُ إعادةِ تأهيلِ منشآتِ الطاقةِ المتضرّرةِ بين 30 و50 مليار دولار، بحسب صحيفة "فاينانشال تايمز".

في الأثناء، يتزايدُ الحديثُ عن إمكانيّةِ عقدِ جولةٍ ثانيةٍ من المفاوضاتِ بين واشنطن وطهران. وينتظرُ الجميعُ تصريحاتِ الرئيس ترامب، ويترقّبُ تحرّكاتِه تحسّبًا للخطوةِ المقبلة، بعد عرقلةِ الجمهوريّين في مجلسِ الشيوخِ الأميركيّ مقترحًا لتقييدِ سلطاتِه في حربِ إيران، فأيّد معظم الأعضاءِ الحملةَ العسكريّةَ. وبحسب وكالة "رويترز"، صوّت مجلسُ الشيوخِ، بغالبيّة 52 صوتًا مقابل 47، على عدمِ المضيّ قدمًا في المصادقةِ على قرارِ تقييد صلاحياتِ الحرب. وتُعدّ هذه المرّةُ الرابعةُ التي يفرضُ فيها الديمقراطيّون التصويتَ على إجراءاتٍ مماثلةٍ من دون تحقيقِ أيّ تقدّمٍ ملموس. وترتفعُ وتيرةُ الانتقاداتِ الداخليّةِ لسياساتِ ترامب وإدارتِه، فيما تتفاقمُ الخلافاتُ بينه وبين حلفائِه التقليديّين في الاتحادِ الأوروبيّ. ووصل به الأمرُ إلى التهديدِ بإلغاءِ الاتفاقِ التجاريّ الذي توصّل إليه مع بريطانيا في أيار/مايو 2025. وفي الوقتِ عينه، هاجم رئيسةَ الوزراءِ الإيطاليّة جورجيا ميلوني، قائلًا: "كنتُ أعتقدُ أنّها تتمتّعُ بالشجاعة، لكنّني كنتُ مخطئًا". ويعودُ هذا التباعدُ إلى تداعياتِ الحربِ على إيران، ورفضِ هذه الدولِ التورّطَ فيها أو التدخّلَ عسكريًا لفتحِ مضيقِ هرمز، ودعوتِها إلى اعتمادِ الحوارِ سبيلًا لإنهاءِ الصراع، الذي أصابَ دولَ المنطقةِ كافّة. بالتوازي، أعلنت "وزارةُ الدفاعِ الأميركيّة" (البنتاغون) عن زيادةٍ إضافيّةٍ في عديدِ قواتِها في الشرقِ الأوسط، مؤكّدةً إحكامَ الحصارِ البحريّ على الموانئِ الإيرانيّة. فيما أفادت "القيادةُ الوسطى" (سنتكوم) بأنّ 6 سفنٍ تجاريّةٍ امتثلت لتوجيهاتِها بتغييرِ مسارِها والعودةِ إلى ميناءٍ إيرانيّ على خليجِ عُمان.

من جهته، هدّدَ قائدُ مقرّ "خاتم الأنبياء" التابعِ للقوّاتِ المسلّحةِ الإيرانيّة، بأنّ ما وصفه بـ"الأفعالَ غيرَ القانونيّة" وخلقَ حالةٍ من انعدامِ الأمنِ للملاحةِ الإيرانيّة، سيدفعُ القوّاتِ المسلّحةَ إلى منعِ "أيّ صادراتٍ أو وارداتٍ" في الخليجِ وبحرِ عُمان والبحرِ الأحمر. كما حذّر من خطواتٍ من شأنِها تعطيلُ أحدِ أهمِّ الممرّاتِ التجاريّةِ العالميّة، المرتبطِ بقناةِ السويس عبر مضيقِ باب المندب. وهذا المضيقُ الحيويّ سيُشكّلُ عقدةً إضافيّةً إلى جانبِ هُرمز، لأن إدخاله على خطِّ المواجهة يعني نقلَ الصراعِ إلى مساحةٍ جغرافيّةٍ أوسع، تُدخلُ العالمَ بأسره في أزمةٍ اقتصاديّةٍ وسياسيّةٍ وأمنيّةٍ شاملة، باعتبارِه "البوّابةَ" التي يعبرُ منها النفطُ والغازُ والبتروكيميائيّات إلى أوروبا والغرب. ولا تأتي هذه التحذيراتُ صدفةً، إذ تدركُ إيرانُ تأثيراتِها على الأمنِ الغذائيّ وحركةِ الأسواق، التي شهدت اضطراباتٍ في المرحلةِ الماضية، كما تُدخلُها في "بازار" المسارِ التفاوضيّ، الذي لم يتوقّف على الرغم من فشلِ الجولةِ الأولى من محادثاتِ باكستان. وتؤدي إسلام آباد دورًا محوريًا في تقريبِ وجهاتِ النظر وسدِّ الفجوات، نظرًا للعلاقاتِ التي تتمتّعُ بها. وبرزت أمس الأربعاء زيارةُ قائدِ الجيشِ الباكستانيّ الجنرال عاصم منير، على رأسِ وفدٍ رفيعِ المستوى إلى طهران. ونقلت وكالة "تسنيم" عن مصدرٍ مطّلعٍ قوله، إنّ "قرارَ حسمِ جولةِ المفاوضاتِ المقبلة رهنٌ بتقييمِ لقاءِ قائدِ الجيشِ مع المسؤولين في طهران".

وجاءت هذه الزيارةُ بعد ساعاتٍ من تأكيدِ المتحدّثِ باسمِ الخارجيّةِ الإيرانيّة إسماعيل بقائي، استمرارَ الاتصالاتِ الدبلوماسيّة. كما أوضح أن المشاورات تجري عبر القناةِ الباكستانيّة، ورجّح أن تستضيف بلاده وفدًا باكستانيًّا في اليومِ عينه. وكانت طموحاتُ إيرانَ النوويّةُ نقطةَ خلافٍ رئيسيّةً في محادثاتِ مطلعِ الأسبوع، إذ أشارت مصادر مطّلعةٌ إلى أنّ الولاياتِ المتحدةَ اقترحت تعليقَ جميعِ الأنشطةِ النوويّةِ لمدّةِ 20 عامًا، فيما طرحت طهران وقفًا يُراوحُ بين 3 و5 أعوام. وتزامنت هذه التطوّرات مع نقلِ وكالةِ الإعلامِ الروسيّة عن المتحدّثِ باسمِ الكرملين دميتري بيسكوف، قوله إنّ الولاياتِ المتحدةَ رفضت اقتراحًا روسيًّا يقضي بنقلِ كاملِ مخزونِ إيران من اليورانيومِ المخصّب إلى خارجِ البلاد، في خطوةٍ تهدفُ إلى المساعدةِ في حلِّ الأزمة. وتحاولُ الجهودُ الدبلوماسيّةُ تقليصَ الفوارقِ، على كثرتِها، والتوصّلَ إلى تسويةٍ أو بوادرِ تسويةٍ قبل انتهاءِ مهلةِ الأسبوعين، وسطَ تأكيداتٍ بعدمِ وجودِ نيّةٍ لدى البيتِ الأبيض لإطالةِ أمدِها، في إطارِ الضغوطِ التي تمارسُها واشنطن على طهران لإبرامِ اتفاق. إلى جانبِ ذلك، تبدو الصينُ من أكثرِ الدولِ سعيًا إلى إعادةِ الوفدِ الإيرانيّ إلى طاولةِ المفاوضات، بعد تزايدِ خسائرِها جرّاء الحصارِ البحريّ المفروض. وأكّد وزيرُ الخارجيّةِ الصينيّ وانغ يي، في اتصالٍ مع نظيرِه الإيرانيّ عباس عراقجي، دعمَ بكين لـ"الحفاظ على ديناميّةِ مفاوضاتِ السلام" في الشرقِ الأوسط.

وتحاصرُ الولاياتُ المتحدةُ إيرانَ بحريًا، وتُكثّفُ في الوقتِ عينِه فرضَ العقوباتِ عليها، مع إعلانِ وزارةِ الخزانةِ الأميركيّة عن حزمةٍ جديدةٍ تستهدفُ البنيةَ التحتيّةَ لنقلِ النفطِ الإيرانيّ، شملت أكثرَ من عشرين فردًا وشركةً وسفينة. وتسعى طهرانُ إلى فكِّ "العزلةِ الاقتصاديّة" وتحقيقِ مكاسب، من بينها رفعُ العقوباتِ والحصولُ على الأموالِ المجمّدة، ما سيكونُ على طاولةِ المفاوضاتِ في جولتها الثانية، في حال انعقادِها. وفي سياقٍ متّصل، استدعت وزارةُ الخارجيّةِ الإماراتيّة القائمَ بأعمالِ سفارةِ العراق، وسلّمته مذكرةَ احتجاجٍ رسميّة "إزاء الاعتداءاتِ الإرهابيّةِ التي تنطلقُ من أراضي العراق"، بعد خطوةٍ مماثلةٍ قامت بها السعوديّةُ والبحرين خلال الأيّامِ الماضية. وتحاولُ بغدادُ الحدَّ من تداعياتِ وانعكاسات الحربِ عليها، في وقتٍ تواجهُ فيه أزمةً سياسيّةً مستفحلةً نتيجةَ الانقسامِ الحادّ، ووقوعِها بين فكيّ التدخّلاتِ الإيرانيّةِ والمطالبِ الأميركيّة.

ويقابلُ الوضعَ المتأزّمَ في العراق استمرارُ حربِ السودان، التي دخلت أمس الأربعاء، عامَها الرابع، من دون أن تلوحَ في الأفقِ مؤشّراتٌ على إمكانيّةِ التوصّلِ إلى حلٍّ سلميٍّ، وسطَ أزمةٍ إنسانيّةٍ تتفاقمُ يوميًا. وفي سياقٍ آخر، أعلنت إسرائيلُ تعيينَ أوّلِ سفيرٍ لها في إقليمِ "أرضِ الصومال" الانفصاليّ غيرِ المعترفِ به دوليًا، بعد إعلانِها الاعترافَ بالإقليم في كانون الأوّل/ديسمبر 2025. ويأتي ذلك ضمنَ إطارِ مطامعِها التوسّعيّة وسعيِها إلى تحقيق "إسرائيل الكبرى"، فيما تواصلُ خرقَ اتفاقِ وقفِ إطلاقِ النارِ في قطاعِ غزّة، وتشديدَ الحصارِ عليه. بالتوازي، تنفّذُ قوّاتُ الاحتلال حملةَ هدمٍ واسعةٍ لمنشآتٍ زراعيّةٍ وتجاريّةٍ ومنازلَ فلسطينيّة في الضفّةِ الغربيّةِ المحتلّة، على الرغم من التحذيراتِ والانتقاداتِ الدوليّةِ المتواصلة.

وضمن فقرة الصحف العربية، جولةٌ على أبرز ما صدر اليوم:

أشارت صحيفة "الأهرام" المصرية إلى أن "المفاوضات بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي تترّكز، على مسارين متوازيين. نزع سلاح "حزب الله"، وإقامة علاقات سلمية مع لبنان. غير أن التقديرات داخل إسرائيل، تشير إلى أن تفكيك الحزب بالكامل. ليس واقعيًا حاليًا. ما يدفع إلى تعديل الهدف. نحو تقليص قدراته، بدل إنهائه". وقالت إنه "في ظلّ تعقيدات الداخل وتشابك الحسابات الإقليمية. في توقيت داخلي إسرائيلي حساس. لا يخلو من رسائل موجهة إلى بيروت، عشية المفاوضات مع لبنان. زار رئيس حكومة الكيان، الجبهة الشمالية في محاولة لترسيخ صورة إعلامية جاذبة. بيد أن هذه الصورة سرعان ما ردت عليه، بعد ما بدت أقرب إلى محاولة للهروب، من مواجهة الواقع القاتم، وغضب المستوطنين".

صحيفة "الدستور" الأردنية، كتبت: "يُمعن الرئيس دونالد ترامب في التورّط بالملف الإيراني، فيندفع إلى محاولة محاصرة المضيق ردًا على إغلاق إيران الانتقائي له، مستعينًا بمدمّراته وسفنه الحربية المصمّمة للقتال في المياه الضحلة. غير أنّ التفوّق العسكري الأميركي الساحق لا يجعل السيطرة على المضيق أمرًا يسيرًا كما قد يُتصوَّر؛ إذ تواجه الولايات المتحدة مجموعةً من التحديات المعقّدة التي تُقوّض هذا المسعى". وعتبرت أنه "لم يعد التفوّق العسكري وحده كافيًا لفتح المضيق أو فرض حصار على الموانئ الإيرانية؛ فهذه الحرب، كما كشفت مساراتها، غير متكافئة في جوهرها، تقوم على الاستنزاف والإيلام الاقتصادي، وقد نجحت إيران في توظيف هذا النهج بفعالية".

أما صحيفة "البلاد" البحرينية، فرأت أنه "في ظل الأحداث والأزمات التي تعيشها المنطقة حاليًّا وسابقًا، برز الدور الحقيقي لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية ليس فقط سياسيًّا، بل لوجستيًّا هذه المرة وبامتياز، وهذه المرة لابد أن ينطلق هذا المجلس بقوة لتحقيق التكامل والتجانس ليكون آمنًا على وضعه السياسي والأمني والاقتصادي من خلال رؤية وقرار سريع للاستفادة أولًا من الإمكانيات والموارد التي يملكها ومن ثم الموقع الاستراتيجي وتسخير الإمكانيات المالية والاستثمارية الخليجية، عبر منظومة متجانسة ومتكاملة من الدعم اللوجستي الذي أصبح عنصرًا مهمًّا في مواجهة الأزمات التي تمر على هذه الدول بين فينة وأخرى". وأضافت أنه "من الضروري أن تكون القمة الخليجية القادمة، قمة قرارات وإنجازات تسطر وتعتمد قراراتها بالتفاعل مع الواقع ومتطلباته المستقبلية، فيكفي ما حدث وما يحدث من حولنا، رغم ما نملكه من إمكانيات وقدرات وأموال واستثمارات تجعلنا منظمة قوية في كل المجالات".

(رصد "عروبة 22")

يتم التصفح الآن