تمرُّ المنطقةُ اليوم في مرحلةٍ شديدة الخطورة، فإما اتفاقٌ مع طهران يحولُ دون تكرار سيناريو الحرب عليها أو تجدّد القتال، لكن بطريقةٍ أعنف وأقوى، خصوصًا أن "بنك الأهداف" لم ينضب بعد، إذ لا يزال النظام الإيرانيّ يحتفظ بالكثير من المواقع والبنى التحتيّة التي يمكن أن تكون في مرمى الصواريخ الأميركيّة – الإسرائيليّة. وتتحركُ الوساطات في هذا الإطار، وتُسابق الوقت بهدف وقف أي ارتداداتٍ عكسيّةٍ لاستئناف النزاع، فإلى جانب باكستان، التي تقودُ مشاوراتٍ ديبلوماسيّةً رفيعة المستوى، يبرزُ الدور القطري الهام والساعي إلى نزع فتيل الأزمة ومحاولة تقريب وجهات النظر، التي كانت حتى الأمس القريب متباعدة ومتنافرة، وذلك قبل أن يُعلن الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب عن بودار إيجابيّة أسفرت عن "حبس الأنفاس" في انتظار اكتمال المعطيات، لأن "الشيطان يكمُن في التفاصيلِ"، ولنا في التاريخ ذكرى وعِبر لتآكل الثقة بين الجانبين.
فحديث ترامب عن "مذكرة تفاهم" أو ورقة "إعلان نوايا"، أيًا كانت التسمية، يُعيد الأمور إلى ما قبل 28 شباط/فبراير 2026، أي العودة إلى نقطة الصفر، لأن المواضيع الخلافيّة الجدليّة بين واشنطنَ وطهرانَ لم تُحَلّ بل رُحِّلَت إلى وقتٍ لاحق. وبالتالي استطاع "نظام الملالي" أن يُكرّس مضيق هُرمز في الصدارة، على الرغم من أنه لم يكن من ضمن الأهداف الموضوعة للحرب بأي شكل، ما يعني استمرار قدرة إيران على المناورة وكسب الوقت واللعب على العوامل بهدف الوصول إلى مبتغاها. فالعروض السابقة لإنهاء الحرب فشلت في تحقيق الهدف المُراد منها، لأنها بقيت تدور في "حلقةٍ مفرغةٍ" بسبب التعديلات الطفيفة التي كان يدخلها المفاوضون الإيرانيون، والتي لم تلامس يومًا جوهر الخلافات الأساسيّة. وأمام وجود فرصة لاتفاق، ولو مبدئيّ، تبقى الأنظار شاخصةً نحو الجبهات الحليفة لإيران. تبدأ من لبنان، الذي يُعيش حربًا إسرائيليّة تدميرية بكل معنى الكلمة ويحاولُ الحدّ من نفوذ "الحرس الثوري" وعقد مفاوضات لفصل مسار البلدين من دون أن يفلح في تحقيق ذلك، وصولًا إلى العراق الذي يحاولُ السير بحكومةٍ "مبتورةٍ" بسبب تعقّد المشهد العام، وتأثير الخلافات الأميركيّة – الإيرانيّة على بغداد، وعودة نزع سلاح الفصائل المسلّحة إلى واجهة الأحداث، بعد استهداف دول الخليج خلال فترة الحرب والهدنة على حدٍّ سواء. فعنوان "نزع السلاح" الذي تكرّسه الولايات المتحدة أولويةً لتقليص قدرة طهران يمكن أن يدخل في "بازار" التفاهمات، ويُشكّل "جائزة ترضية" لها على حساب استقرار هذه الدول، وهنا يكمن مصدر الخوف الرئيسيّ.
أمام هذه المستجدات، برز تصريح ترامب الذي كشف فيه عن إجراء "التفاوض على جزءٍ كبيرٍ" من مذكرة تفاهم حول اتفاقٍ للسلام مع إيران، متعهدًا بفتح مضيق هُرمز. كما أعلن عن "مناقشة الجوانب النهائيّة وتفاصيل الاتفاق" وقال إنه "سيعلن عنها قريبًا". وأتى ذلك بعد المكالمات التي أجراها مع قادة عددٍ من الدول الخليجيّة والعربيّة، وفي مقدمتها السعودية ومصر والإمارات وقطر والبحرين والأردن. كما شملت تركيا لما تمثله من وزنٍ وعلاقاتٍ، من دون أن يغفل عن وضع "حليفه" رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو في أجواء المفاوضات، على الرغم من تباعد الرؤى بين الطرفين. فالأول يسعى إلى اتفاقٍ بأي ثمن، بينما يدفع الثاني نحو خيار الحرب والقضاء على ما تبقى من قوة إيران، معتبرًا أن بقاء المهمة "غير مُنجزة بالكامل" يُعيد الأمور إلى المربع الأول. حتى أن صحيفة "نيويورك تايمز" تطرّقت إلى هذا الموضوع، فاعتبرت أن نتنياهو، الذي ظهر في بداية الحرب على إيران بوصفه شريكًا مباشرًا لترامب في إدارة العمليات العسكرية، تحوّل خلال أسابيع إلى طرفٍ مُهمّشٍ ومستبعدٍ تقريبًا من مفاوضات التهدئة بين واشنطن وطهران، في ما وصفته بأنه "انتقال من مقصورة القيادة إلى الدرجة الاقتصادية". ورأت الصحيفة أن هذا التحول يُشكل ضربةً سياسيّةً قاصمةً لنتنياهو، الذي يواجه انتخاباتٍ صعبةً هذا العام، بعد أن قدّم نفسه طويلًا في الداخل الإسرائيليّ باعتباره السياسيّ القادر على التأثير في ترامب وضمان دعمه المُطلق.
ولا يعني الاختلاف في وجهات النظر "فكّ" الحلف الاستراتيجيّ، بقدر ما يُجسد معنى تضارب المصالح. فواشنطن اليوم تُقيّم نتائج الحرب وتتردّد في استئنافها، خصوصًا أن ترامب يواجه رفضًا متزايدًا في الداخل الأميركيّ لاستمرار العمليات العسكرية، بسبب تداعياتها الاقتصادية في المقام الأول. ومن هنا، تبدو الأنظار شاخصة إلى ما ستحمله الساعات القليلة المقبلة، ومدى قدرة باكستان على تحقيق خرقٍ حقيقيٍّ في "جدار" الأزمة المعُقدة. في سياقٍ متصل، حطَّ قائد الجيش الباكستانيّ عاصم منير في طهرانَ، بعد وزير الداخليّة محسن نقوي، وعقد لقاءاتٍ مع كبار المسؤولين الإيرانيين مساء يوم الجمعة، يتقدمهم الرئيس مسعود بزشكيان ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ووزير الخارجيّة عباس عراقجي، بهدف استكمال مسار المفاوضات. وتزامنت هذه الزيارة، التي استمرت 24 ساعة، مع معلوماتٍ تحدثت عن تسلّم الوفد الباكستانيّ، بالتنسيق مع الوفد القطريّ، الشروط والمتطلبات الإيرانيّة الخاصة بإنهاء الصراع، قبل نقلها إلى الجانب الأميركيّ. وهي خطوةٌ اعتبرها مراقبون مؤشرًا على تقدّمٍ ملموسٍ في المحادثات، وإن بقي محاطًا بالكثير من التكتم والحذر. ولم تُعرف بعد بنود مذكرة التفاهم، التي قال ترامب إنه سيُكشَفُ عنها لاحقًا، لكن سرّبت مصادر لصحيفة "فاينانشال تايمز" جزءًا منها، وهي تشمل إعادة فتح مضيق هُرمز تدريجيًا، وتخفيف مخزون إيران من اليورانيوم المُخصب أو نقله، واتخاذ واشنطن خطواتٍ لتخفيف حصارها على الموانئ الإيرانيّة وتقليص العقوبات المفروضة عليها.
هذه الضبابيّة هي التي دفعت الرئيس الأميركيّ نحو عقد محادثاتٍ مع حلفائه في المنطقة، خصوصًا أولئك الذين استهدفتهم المُسيّرات الإيرانيّة وكبّدتهم خسائر جسيمةً في المنشأت الحيوية طوال مدة الحرب. أما على المقلب الآخر، أي في طهران، فالتصريحات على حالها، تتحدث عن تقدّمٍ في المفاوضات، لكنها تُعيد الأمور عينها في ما يخص التمسك بالمطالب والشروط. ففي هذا الإطار، شدّد المتحدث باسم الخارجية الإيرانيّة إسماعيل بقائي على أن الملف النوويّ لن يكون جزءًا من إطار التفاهم المطروح مع الولايات المتحدة، مؤكدًا أن الأولوية اليوم هي لإنهاء الحرب على كل الجبهات، ومن ضمنها لبنان. وأضاف: "نريد أن تُبحَث المسألة النووية وقضايا أخرى في وقتٍ لاحقٍ، خلال 30 أو 60 يومًا، أو أي مهلة يُتَفَقُ عليها، بشكلٍ منفصلٍ. في الوقت الراهن، أولويتنا المطلقة هي وضع حدٍّ للحرب". وحول مضيق هُرمز، أوضح أن أي ترتيبات بشأنه يجب أن تكون محلّ اتفاقٍ بين إيران وسلطنة عُمان والدول المطلة على المضيق، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة "لا علاقة لها" بهذا الملف. بالتوازي، تحدّث وزير الخارجية الأميركيّ ماركو روبيو عن "فرصةٍ" لموافقة إيران قريبًا على اتفاقٍ مع الولايات المتحدة، لافتًا، في أعقاب محادثاتٍ مع رئيس الوزراء الهنديّ، إلى أنّه على "إيران تسليم اليورانيوم المُخصب لديها؛ لأن الملف النوويّ الإيرانيّ مسألة عاجلة، كما يجب أن يبقى مضيق هُرمز مفتوحًا".
في غضون ذلك، تستمرُّ الاتصالات الديبلوماسيّة على مستوياتٍ عدة بهدف "تسريع" إبرام تسوية، إذ بحث وزير الخارجية العُماني بدر بن حمد البوسعيدي، مع نظيره الإيرانيّ عباس عراقجي، تطورات المفاوضات. في وقتٍ وصل فيه رئيس الوزراء الباكستانيّ، شهباز شريف، إلى الصين في زيارةٍ رسميّةٍ، وسط توقعاتٍ بمناقشةٍ غير مُعلنةٍ للأزمة بين واشنطنَ وطهرانَ، خصوصًا أن بكين، سبق أن أكدت أنها ستعمل مع إسلام آباد على "الإسهام في استعادة الاستقرار في الشرق الأوسط". وكانت الصين بمثابة "محجّة" خلال الأسبوعين الماضيين، بعد زيارة كل من الرئيس ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ما يؤكد دورها المهم في إطار أي ترتيبات مُستقبليّة، باعتبارها حليفًا استراتيجيًا للنظام الإيرانيّ. ومع هذه التحديثات، تبقى الأمور عالقة "في صالة الانتظار" ريثما تنضج المعطيات النهائيّة، التي سيوظّفها كل طرفٍ لصالحه، معلنًا انتصاره على الطرف الآخر ضمن لعبة "شدّ الحبال". وتُدرك طهران أنها ليست اليوم في موقع قوةٍ، لكنها لا تزال تُمسكُ بالعديد من الأوراق التي تستغلّها لصالحها، كما أثبتت قدرتها على الصمود وعدم الاستسلام. وبين أوراق طهران "المرتفعة الثمن"، تكمن الساحة اللبنانيّة، التي يرفض النظام الإيرانيّ التخلي عنها مستعينًا بـ"حزب الله"، الذي كرّس دائمًا استراتيجيتها ورهن وحدة البلاد الداخليّة واقتصادها "كرمى" لعيون المرشد. فمن حرب إسناد غزّة إلى حرب الثأر لمقتل علي خامنئي، ولبنان في عين العاصفة، يحاول المضي قدمًا نحو ترتيبات ولكنه مع ذلك لا يستطيع التحرّك منفردًا، فما يحصل في مفاوضات إسلام آباد له الكثير من التبعات والنتائج.
والدليلُ الاكبرُ على ذلك هو الرسالة التي وجّهها الوزير عباس عراقجي إلى الأمين العام لـ"حزب الله" نعيم قاسم، التي حملت تأكيدًا جديدًا على ربط المسارين بعضهما ببعض. إذ شدّد على أن طهران لن تتخلى عن الحزب، وأن هذا الدعم يُعد التزامًا ثابتًا مُرتبطًا بخط القيادة الإيرانيّة، وأكد ربطها منذ بداية الوساطات الإقليميّة أيّ وقفٍ لإطلاق النار في لبنان بأي اتفاقٍ مُحتملٍ مع الولايات المتحدة. وتأتي "جرعة الدعم" هذه قبل جلسة مفاوضات أمنيّة ستُعقد بين لبنان وإسرائيل برعايةٍ أميركيّة في 29 من الشهر الحالي. بينما لا يعوّل لبنان كثيرًا على المسار المُتخذ لأن تلّ أبيب ترفض الالتزام بأي اتفاقٍ لوقف النار وتخرق الهدنة الهشّة يوميًّا، على الرغم من الاتصالات التي تجريها الدولة مع المعنيين، وفي مقدمتهم الإدارة الأميركيّة بهدف إلزام إسرائيل بوقف انتهاكاتها. وزادت العقوبات التي فُرِضَت على شخصياتٍ ومؤسساتٍ مُرتبطةٍ بالقطاعين العسكريّ والأمنيّ في لبنان التعقيدات، مع فرض ضغوطٍ أميركيّةٍ جديدةٍ على الحكومة، في مرحلةٍ شديدة الحساسيّة. ويحدث كلّ ذلك في ظلّ تفريغ إسرائيل للقرى الجنوبيّة والبقاعيّة من سكّانها ورفع مستوى عملياتها العسكرية، التي لا تُميّز بين مقاتل ومسعف ومدني. ففي الميدان، واصلت قوات الاحتلال توجيه الإنذارات إلى المزيد من البلدات بضرورة الإخلاء الفوريّ، بذريعة استهداف بُنى تحتيّة لـ"حزب الله"، في وقتٍ ارتفع فيه عدّاد الضحايا إلى 3123 قتيلًا و9506 جريحًا، بحسب وزارة الصحة.
هذا وشهدت مدينة صور، أمس السبت، سلسلة غاراتٍ عنيفة استهدفت منازل وأحياء سكنيّة، إضافة إلى تضرّر مستشفى حيرام وغرف العمليات والعيادات وشبكات الكهرباء المحيطة به. أما "حزب الله"، فأعلن عن تنفيذ عملياتٍ جديدةٍ بالطائرات المُسيّرة ضد مواقع إسرائيليّة على امتداد خط الحدود، من بينها استهداف موقع قرب رأس الناقورة وثكنة برانيت المقابلة لبلدة رميش، إضافة إلى تسجيل سقوط مُسيّرة في مستوطنة كريات شمونة. وبات هذا المشهد يتكرّر يوميًا، فيما الهمّ الإنسانيّ يتزايد مع تطبيق إسرائيل استراتيجيّة التهجير والتدمير المُمنهج كأداةٍ للضغط على الحزب، بهدف دفعه إلى الحدّ من عملياته العسكرية المستمرة. الوضع في لبنان يتعلق بترتيبات المنطقة، مهما حاول القادة الإيحاء بالعكس، وهو تمامًا ما ينطبق على العراق أيضًا، مع تصاعد القلق لدى الفصائل المسلّحة الموالية لطهران من مؤشراتٍ على تشدّدٍ حكوميٍّ غير مسبوق، خصوصًا بعد الهجمات التي انطلقت من أراضي العراق واستهدفت السعودية والإمارات، والتي وصفها رئيس الوزراء العراقيّ علي الزيدي بالـ"أعمال الإجراميّة". في الأثناء، قال نائب رئيس المجلس التنفيذيّ لحركة "النجباء" حسين السعيدي، إن "سلاح المقاومة أمانة لا يمكن المساومة عليها"، واضعًا الحديث المتداول عن مشروع لدمج هيئة "الحشد الشعبي" والشرطة الاتحادية وقوات الرد السريع ضمن "وزارة أمن اتحادي" في إطار "المشروع الأميركيّ البحت" وحذّر من عواقبه.
وضمن الأخبار الأخرى، جدّد الجيش الإسرائيليّ قصف مناطق عدة في قطاع غزّة خلال الساعات الماضية، ما أسفر عن سقوط شهداء وجرحى، من ضمنهم ضباط وعناصر في الشرطة. في حين أشارت حركة "حماس" إلى أن هذا التصعيد يُمثل انقلابًا واضحًا على الاتفاقات المُبرمة برعاية الوسطاء. وتريد تلّ أبيب إبقاء القطاع في حالةٍ من الفوضى، مع رفض أيّ محاولةٍ لإعادة الإعمار أو إزالة الركام والردم، عى الرغم ممّا يسببه للسكان من أمراضٍ وأوبئةٍ، وتأثيره على عجز القطاع الطبيّ والاستشفائيّ عن توفير العلاجات المناسبة بسبب التقنين الحاد في إدخال المساعدات. إلى ذلك، لا تزال المشاهد الصادمة للتعذيب والتنكيل بنشطاء مشاركين في "أسطول الصمود" تتفاعل، وسط إداناتٍ دوليّة متتالية واتخاذ بعض الإجراءات، التي لا ترقى إلى مستوى الوقائع. إذ أعلن وزير الخارجيّة الفرنسيّ جان نويل بارو، أن بلاده قررت منع وزير الأمن القومي الإسرائيليّ المتطرف إيتمار بن غفير من دخول أراضيها، بسبب ما وصفه بـ"تصرفاته غير المقبولة تجاه نشطاء على متن الأسطول". دوليًا، توفي مُسلّح أطلق النار على عناصر من الخدمة السرية قرب البيت الأبيض، مساء السبت، بعد إصابته بالرصاص، وفق ما أفاد الجهاز في بيانٍ نشرته وسائل إعلام أميركيّة من دون معرفة المزيد من التفاصيل حتى الساعة.
جميع تلك الأحداث عكستها الصحف العربيّة الصادرة اليوم في مقالاتها وعناوينها، وفي الآتي أبرز ما ورد فيها:
رأت صحيفة "الغد" الأردنية أنه "في الوقت الذي تتحرك فيه أطراف إقليمية ودولية للضغط على طهران وتهيئة المناخ للانتقال نحو مفاوضات قد تقود إلى اتفاق جديد بين الولايات المتحدة وإيران، تبدو فرص إنجاز هذا الاتفاق محدودة للغاية. فالمعضلة لم تعد مرتبطة فقط بتعقيد الملفات السياسية والأمنية، بل بطبيعة النظام الإيراني نفسه، الذي يرى في أي تفاهم شامل مع واشنطن تهديدًا مباشرًا للأسس العقائدية والسياسية التي قامت عليها الجمهورية الإسلامية". وعتبرت أن "محاولات طهران لاستثمار عامل الوقت أو التصعيد في ملفات الطاقة والملاحة مجرد أدوات تكتيكية قصيرة الأمد، في وقت تعمل فيه الولايات المتحدة وإسرائيل على إبقاء خيار المواجهة قائمًا، انطلاقًا من قناعة متزايدة بأن كسر الجمود قد لا يتحقق إلا عبر ضغوط عسكرية وأمنية واسعة تعيد رسم المشهد الإيراني من الداخل، وتفرض واقعًا سياسيًا جديدًا على المنطقة بأكملها".
صحيفة "الخليج" الإماراتية، تناولت الوضع عينه، موضحة أن "كل المؤشرات تؤكد أن الوضع يمر فعلًا بساعات حرجة، في ظل تمسك كل طرف بأوراقه الضاغطة حتى الرمق الأخير من مهلة المفاوضات. ولتفادي أسوأ السيناريوهات، تشهد عواصم المنطقة سلسلة واسعة من الاتصالات يقوم بها وسطاء دوليون، إضافة إلى باكستان. وكلهم يسابقون الزمن لتقديم صيغة تسوية وسطى تمنع انهيار المفاوضات، وعلى الأقل تمديد وقف إطلاق النار لما بعد بطولة كأس العالم المقبلة". وقالت إنه "من الواضح أن النبرة التصاعدية والتهديدات العسكرية الموازية للتفاؤل لا تعكس بالضرورة رغبة في الحرب، ولكنها في الوقت ذاته ترفع منسوب التوتر إلى مستويات قياسية، وتزيد من مخاطر الانزلاق مجددًا إلى دائرة التصعيد، في ظل استمرار الحشود العسكرية والمناورات الخطرة في الممرات المائية الحيوية مثل مضيق هُرمز الذي اختطفته إيران واتخذته سلاحًا وورقة مساومة، ليس في مواجهة واشنطن فحسب، بل دول المنطقة وأغلبية العالم الذي يطالب برفع يد القرصنة عن المضيق وعدم الزج به في الصراع بين واشنطن وطهران".
بدورها، شدّدت صحيفة "البلاد" البحرينية على أن "إدارة الدول والأزمات والحروب لا تقوم على المراوغة وحدها، ولا على القدرة على الاحتمال إلى ما لا نهاية، بل على حسن تقدير الموازين، وقراءة التحولات، ومعرفة اللحظة التي ينبغي فيها التراجع قبل الوصول إلى حافة الهاوية". وأشارت إلى أن "دول الخليج العربية لا تبحث عن حرب، ولا تريد إسقاط إيران، ولا تتمنى للشعب الإيرانيّ إلا الأمن والاستقرار والازدهار. لكنها، في المقابل، لا تستطيع أن تقبل بأن تبقى رهينة لسياسات المغامرة والتصعيد والابتزاز. ولهذا؛ فإن الأمل الحقيقي اليوم لا يكمن في إطالة أمد التفاوض أو إتقان فنون المراوغة وكسب الوقت، بل في أن تدرك القيادة الإيرانية أن المنطقة لم تعد تحتمل المزيد من اللعب بالنار؛ فحياكة السجاد قد تكون فنًا رائعًا، لكن إدارة الأوطان تحتاج دائمًا إلى شيء آخر اسمه الحكمة".
ونبهت صحيفة "الأهرام" المصرية إلى أن "الخطاب الرسمي الإيراني لا يزال يؤكد وبوضوح أن الخلافات لا تزال جوهرية وعميقة، وخصوصًا ما يتعلق بالبرنامج النووى الإيراني، والمسموح به والمحظور فيه، ومصير اليورانيوم المخصب، وكذلك ما يتعلق بملف العقوبات والأصول الإيرانية المجمدة، وأيضًا الضمانات اللازمة لضمان وقف شامل ودائم للحرب. لكنها حذّرت من أن "اندلاع الحرب من جديد يعني دخول المنطقة في نفق مظلم في ظل احتمال امتداد الحرب إلى دول الخليج، وما قد يستتبع ذلك من حرب إقليمية لن يكون فيها مستفيد سوى الجانب الإسرائيلي، ونتنياهو شخصيًا. الساعات القليلة المقبلة سوف توضح بالضرورة انتصار خيار الدبلوماسية أم الحرب".
(رصد "عروبة 22")

