لم تصمد "مذكرة التفاهم" بين الولايات المتحدة وإيران طويلا، وعادت الضربات المتبادلة بين القوات الأمريكية والإيرانية، وأعلن الرئيس الأمريكي ترامب أن "مذكرة التفاهم توقفت"، وعودة العقوبات على صادرات النفط الإيرانية، فهل ستعود الحرب الشاملة؟ ليس في مصلحة الولايات المتحدة شن حرب شاملة، فتوقف صادرات النفط عبر مضيق هرمز يهدّد بكارثة اقتصادية حسب تعبير ترامب، الذي كان يدافع عن توقيع المذكرة، وقال إن وقف الحرب كان ضروريا.
والوضع الحالي بعد نحو شهر على بدء تنفيذ وقف إطلاق نار هش لن نجد أى أوراق جديدة في يد إدارة ترامب، بل الوضع أسوأ قليلا، فمخزونات النفط انخفضت أكثر، واقتربت من النفاد، فلم يكن الوقت ولا تدفق النفط كافيا لتعويض مخزون النفط، كما تعاني القوات الأمريكية نقص الذخائر أيضا، والوضع الداخلي يتأزم أكثر، وانتخابات التجديد النصفي للكونغرس أمامها أقل من 4 أشهر. أما الوضع في إيران فقد تحسن قليلا، باعت إيران مخزونها النفطييي العائم المقدر بنحو 150 مليون برميل، وضخت نحو 60 مليون برميل أخرى من آبارها، واستعادت جزءا محدودا من أموالها المجمدة، وعلى الصعيد العسكري تمكنت من فتح مخارج أنفاق عدد من المدن العسكرية الواقعة تحت الجبال، لتعيد استخدام ما فيها من صواريخ باليستية وفرط صوتية، ورممت بعض المنشآت المدمرة.
وإذا كانت أمريكا تلوح بحرب أشد ضراوة من سابقتها، فإن إيران تلوح أيضا بتغيير عقيدتها النووية، بما يمكنها من امتلاك سلاح نووى، وتفعيل جبهة اليمن، بما تحمله من إمكانية إغلاق مضيق باب المندب، بالإضافة إلى ظهور طائرات سو 35 الروسية في أجواء طهران، وربما جي 10 و20 الصينية قريبا، بما سيجعل جولة الحرب المقبلة أشد ضراوة وإيلاما من سابقتها، سواء لإيران أو الولايات المتحدة وحلفائهما أو للمنطقة والعالم.
الغارات الأمريكية تسعى إلى فرض التفسير الأمريكي مذكرة التفاهم، وإفراغه من بعض محتواه الذي تضمن تنازلات أمريكية كبيرة، أهمها عدم التسليم بسيطرة إيران على مضيق هرمز، لأن من شأن تلك السيطرة أن تحقق لإيران أكثر مما تطلبه، سواء من خلال فرض رسوم عبور تحت أي مسمى أو الضغط على دول الخليج، وكذلك الدول التي تجمد الأموال الإيرانية أو تنفذ العقوبات الأمريكية، لتحقق إيران بسلاح المضيق ما لم تحققه بالمفاوضات أو الحرب، لهذا يوصف مضيق هرمز بأنه الأشد تأثيرا من امتلاك القنبلة النووية، فمن خلاله يمكن التأثير على الاقتصاد العالمي بشكل فوري وفاعل، فهل ستؤدى الغارات الأمريكية لتسلم إيران مفتاح المضيق؟
الضربات الأمريكية ستظل محدودة التأثير، فالطائرات تنطلق من مسافة تزيد على ألف كيلو متر، وتشارك فيها أنواع وأعداد محدودة يمكنها حمل خزانات وقود إضافية، على حساب ما تحمله من ذخائر، وستواصل إيران الرد عليها بقصف القواعد التي تنطلق منها، مادام مدى صواريخها أطول من مدى الطائرات الأمريكية، وستدخل الولايات المتحدة حرب استنزاف لا يمكن ربحها، وتتجنب الإدارة الأمريكية خوضها، خاصة أنها ستستهلك الكثير من ذخائرها والكثير من هيبتها العسكرية في المنطقة والعالم طالما لا يمكنها تحقيق انتصار واضح، فماذا لو زادت إيران عنادا؟ هل ستضطر الولايات المتحدة إلى الحرب الشاملة؟
هذا ما يتمناه رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، لكن الرئيس ترامب لا يحتمله، لأن معناه حشد قوات برية قوامها نصف مليون جندي على الأقل، غير متوافرين حاليا، وإذا توافروا فلن يجدوا أرضا ينطلقون منها، وسيواجهون ضربات أثناء الحشد، وخسائر أكبر عند تنفيذ الغزو، وهو ما يعارضه قادة البنتاغون والرأى العام الأمريكي، ولهذا فالمطروح فقط ممارسة ضغط للعودة إلى مذكرة التفاهم، وكل ما تأمله الولايات المتحدة أن تبدي إيران بعض المرونة في تفسير النصوص. الأمنيات الأمريكية تصطدم بواقع تشدد إيراني في تنفيذ بنود مذكرة التفاهم، وأولها وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان، وانسحاب القوات الإسرائيلية، والتسليم بإدارة إيرانية لمضيق هرمز، وتنفيذ التعهدات الأمريكية بالإفراج عن أموال مجمدة ورفع العقوبات.
نتنياهو أشد المعارضين لتحقيق تلك المطالب الإيرانية، ويرى أنها ستضعف إسرائيل وتقوى إيران، وتغير موازين القوى في المنطقة، لهذا يعتبرها قضية وجود لمصيره السياسي ومصدر خطر كبيرا على إسرائيل، ويدعم نتنياهو اللوبي اليهودي والمحافطون الجدد الذين ينتمون إلى اليمين المتطرف، وتصبح قضية السيطرة على مضيق هرمز واحتمالات نشوب حرب شاملة وما سيترتب عليها من أزمات اقتصادية مادة لإشعال الداخل الأمريكي. هكذا تبدو الخيارات ضيقة وصعبة أمام أطراف الصراع، ويبدو المضي في تنفيذ مذكرة التفاهم أكثر عقلانية من خيار الحرب الشاملة.
(الأهرام المصرية)

