نتنياهو في سوريا: سعار متأصل

إسرائيلية ترفع شارة النصر بين صورتين لنتنياهو خلال الاستعدادات للانتخابات التمهيدية لليكود في القدس 17 آب / أغسطس الحالي (رويترز)

لا جديد في التذكير بافتراض برهنت عليه سلسلة مترابطة من الوقائع والمعطيات، مفاده أنّ أحداً من ساسة دولة الاحتلال الإسرائيلي لم يكن سعيداً بسقوط نظام آل الأسد الاستبدادي الوراثي في سوريا؛ وتلك خيبة أمل خالطتها صدمة المفاجأة وغياب التوقّع واختلاط المعادلات، شملت القوى السياسية الإسرائيلية كافة، من دون استثناءات. 

إلا أنّ الخيبة ذاتها تأخذ عند رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو تنويعات أشدّ إمعاناً في الإحباط والسعار والغيظ والتهوّر والمغامرة والتوظيف الأرعن، فلا تتعمد تضخيم الخلاصات الجيو ـ سياسية والإقليمية لسقوط نظام كان يتولى أفضل أنساق حراسة الجولان المحتل لصالح الاحتلال الإسرائيلي، منذ 1970 وحتى أواخر 2024، فحسب؛ بل تزجّ عواقب انبثاق سوريا جديدة ما بعد آل الأسد في قلب المشهد الداخلي الإسرائيلي، على صعيد مصائر نتنياهو الشخصية والحزبية والقضائية أوّلاً، ثمّ مآلات ائتلافه الحاكم الأشدّ يمينية وعنصرية وفاشية على امتداد عقود الكيان الصهيوني.

ولعلّ بعض الإسرائيليين، أو قلّة محدودة منهم أغلب الظنّ، فضلاً عن أمثالهم من أنصار دولة الاحتلال هنا وهناك في الولايات المتحدة والغرب عموماً، هم الذين بحاجة إلى قراءة متمعنة في تعليق إيهود باراك، رئيس حكومة الاحتلال الأسبق والجنرال المخضرم وأحد كبار إرهابيي الكيان والأكثر أوسمة بين الساسة؛ تعليقاً على التسخين الذي افتعله نتنياهو مؤخراً مع تركيا، عبر قصف مطار أبو الظهور شمال إدلب السورية.

"التصعيد المتعمد الذي يقوده نتنياهو في مواجهة تركيا هو تصرف متهور وغبي، ومن الصعب تحديد أي الصفتين تنطبق عليه أكثر"، غرّد باراك على منصة X؛ وتابع يقول إنّ السلوك في هذا الملفّ "تفوح منه بقوّة رائحة نيّة سياسية للوصول إلى الانتخابات وسط سلسلة من التوترات الأمنية التي تثير القلق والخوف لدى الجمهور". الأمر الذي يعني، في وجهة أخرى من فحوى هذا التصريح، أنّ نتنياهو تمرّس جيداً في أفانين استغلال بعض ذلك "الجمهور"، وربما غالبية ساحقة في صفوفه، لجهة توظيف الإقلاق والتخويف، حتى من باب الإيهام والاستيهام.

ذلك لأنّ أيّ إسرائيلي برُبع عقل، وليس بكامله أو حتى بنصفه، يمكن أن يلجأ إلى محرّك البحث غوغل، أو مواقع الذكاء الاصطناعي؛ فيسأل عن حجم الاعتداءات الإسرائيلية على سوريا بعد دقائق، وليس ساعات، أعقبت تاريخ 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، وفرار بشار الأسد ومن تيسّر له الهرب بين كبار أزلام النظام البائد؛ ولن يعثر على ما هو أقلّ من التالي: أكثر من 480 غارة جوية، أسفرت عن تدمير واسع أو تامّ لسائر الأسلحة الستراتيجية، برّاَ وجوّاً وبحراً؛ فضلاً عن تنفيذ عملية "سهم باشان" التي تضمنت التوغل عميقاً في ريف القنيطرة ومحيط جبل الشيخ وتل الفرس وجباتا الخشب، وقصف مقرّ الأركان وأطراف القصر الجمهوري في العاصمة دمشق دعماً لميليشيات الشيخ حكمت الهجري في السويداء.

وهكذا فإنّ الجديد، والوحيد حرفياً، وراء القصف الإسرائيلي لمطار أبو الظهور، وبالتالي اختلاق التوتر مع تركيا إجمالاً وشخص الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خاصة، ليس سوى تسخين جبهة إضافية يجري إدخالها، كيفما اتفق، على خارطة حروب نتنياهو؛ هذه التي يُرجى منها أن ترصّ صفوف ما تبقى من أنصاره، قبيل انتخابات الكنيست أواخر تشرين الأول/أكتوبر، التي لا تقول المؤشرات أنّ حظوظه فيها عالية أو مضمونة.

ولأنّ هذه السطور بدأت من افتراض حزن عميم لدى ساسة الاحتلال على خسران آل الأسد في سوريا، فإنّ من نافل القول توسيع المشهد بحيث يشمل أيضاً تسعة أعشار ذلك "الجمهور" الإسرائيلي الذي يخوّفه نتنياهو من مطار أبو الظهور؛ لأنّ السعار ضدّ سوريا يسبق أردوغان، وهو قديم متأصل ضارب الجذور.

(القدس العربي)

يتم التصفح الآن