لماذا عادت الولايات المتحدة إلى خيار الضغط الاقتصادي على إيران بدلا من الحرب؟ لم تحقق الولايات المتحدة أيا من أهدافها المعلنة خلال ثلاث جولات من الحرب على إيران، فلا النظام انهار، ولا البرنامج النووي تم القضاء عليه، ولا توقفت إيران عن دعم حلفائها، وهي أبرز أهداف الحرب الأمريكية. بل كانت النتيجة سيطرة إيران على مضيق هرمز، واستخدامه في الضغط على الولايات المتحدة، واضطرت إدارة الرئيس ترامب إلى التوقيع على مذكرة تفاهم تحقق لإيران معظم طلباتها، وجرى وصف المذكرة بأنها وثيقة إذعان وهزيمة بل وإذلال، مما دفع الرئيس ترامب للتراجع عنها والعودة إلى الحرب، وكانت نتيجة الجولة الأخيرة مزيدا من الخسائر الأمريكية في قواعدها العسكرية، وصعوبات في التصدى للصواريخ الإيرانية، التي أصبحت أكثر دقة وتدميرا.
وأصبح من الواضح أن القوات الأمريكية تعاني نقصا في صواريخ باتريوت وثاد المضادة للصواريخ الباليستية وفرط الصوتية، وكذلك الصواريخ الهجومية بعيدة المدى من طراز توماهوك. لم تكن أزمة نفاد الصواريخ هي الوحيدة التي تجبر الولايات المتحدة على التراجع عن شن هجمات جديدة على إيران، فهناك مشكلة أحدثت دويا كبيرا في الداخل الأمريكي، والمتعلقة بأزمة حاملات الطائرات والبحرية الأمريكية المنهكة، وبحارتها الذين يعانون طول مدة بقائهم داخل السفن وحاملات الطائرات، وإقدام عدد منهم على الانتحار، وحدوث مشادات على متن القطع الحربية، خاصة حاملة الطائرات لينكولن، ليجري استبدالها بحاملة الطائرات جورج واشنطن، الوحيدة التي كانت ترسو في شرق آسيا، تاركة وراءها فراغا عسكريا في مواجهة الصين، وسط دهشة وقلق كوريا الجنوبية واليابان والفلبين، أهم الحلفاء في تلك البقعة الأكثر حيوية.
خسرت أمريكا سباق تعويض ذخائرها مقابل إيران، فإنتاج ما يكفي من صواريخ باتريوت وثاد يحتاج إلى سنوات وليس أشهر، ويصطدم بعجز المجمع الصناعي العسكري الأمريكي عن إضافة خطوط إنتاج جديدة بالسرعة المناسبة، والمشكلة الأخطر عدم توافر المعادن النادرة الضرورية لصنعها، لأن الصين محتكرة إنتاج تلك المعادن، وقيدت تصديرها للولايات المتحدة، مما جعل تعويض النقص في الذخائر مهمة صعبة للغاية.
لا تعانى إيران بنفس القدر في تعويض ما فقدته من صواريخ وطائرات مسيرة في الجولات الثلاث، ولديها مصانع في مدنها العسكرية تحت الجبال، ولا يكلفها إنتاج الصواريخ والمسيرات مبالغ كثيرة إذا قورنت بالصواريخ الأمريكية، كما أن تعويض الصواريخ الإيرانية لا يحتاج الكثير من الوقت، ومن الممكن استيراد معظم مكوناته من دول حليفة مثل روسيا والصين وكوريا الشمالية. كما أن خوض الولايات المتحدة لحرب استنزاف طويلة سيكون أصعب في الجولات التالية، لأنها فقدت معظم قواعدها العسكرية في دول الخليج والعراق، ونقلت معظم ما تبقى فيها إلى إسرائيل.
أمام تلك المعضلة العسكرية جرت مناقشة استخدام السلاح النووي التكتيكي وفق صحف ومصادر أمريكية، لكن جرى الاعتراض على هذا الخيار الذي سيجر أزمات أعنف على إدارة الرئيس ترامب والولايات المتحدة، وستحدث موجات غضب في معظم أنحاء العالم والداخل الأمريكي، لا يمكن التكهن بمدى خطورتها على الإدارة الأمريكية. كما لا يمكن استبعاد امتلاك إيران قنابل نووية، فالوقت دون تفتيش طال، والقدرات الإيرانية يمكنها صنع عدد غير قليل من القنابل، وتمتلك صواريخ قادرة على حملها.
مع استبعاد هذا الخيار أيضا، لم يكن أمام الإدارة الأمريكية إلا العودة للضغوط الاقتصادية، وفرض ما سمته "الضغوط القصوى" على الاقتصاد الإيراني، وتشمل منع توسيع الضغوط على كل الدول التي يمكن أن تتعامل مع إيران، وفرض عقوبات على تلك الدول، بما يعزل إيران عن محيطها وكل البلدان التي يمكن أن تتعامل معها، وهذه فرضية لا يمكن التعويل عليها كثيرا، لأن دولا مثل الصين وروسيا وبعض الدول المحيطة لا يمكنها أن تنصاع للتهديدات الأمريكية، وروسيا المشاطئة لإيران عبر بحر قزوين تتعرض لعقوبات اقتصادية أمريكية مشددة، ولهذا لن تتأثر بتلك العقوبات، وستواصل تعاونها مع إيران، بل عززت علاقاتها الاقتصادية معها، وكذلك أصدرت الصين قرارات بمنع شركاتها من تنفيذ العقوبات الأمريكية، وهما البلدان الكبيران اللذان يشكلان أهم رئتين للاقتصاد الإيراني.
أما الحصار البحري، فرغم تأثيره، فإنه لا يوقف حركة التبادل التجاري، لأن إيران لديها عدد كبير من الجيران، وتطل على بحر قزوين، ولديها شبكة طرق تتصل بآسيا الوسطى والصين، ولهذا لن يكون الحصار البحري مؤثرا بالدرجة التي تجبر إيران على تقديم تنازلات. كما أن إيران اعتادت طويلا على العقوبات الأمريكية، ولديها مستوى جيد من الاكتفاء الذاتي في المنتجات الزراعية واللحوم والأسماك والأدوية والكثير من السلع الكهربائية والصناعية، لهذا يصعب أن تحقق الولايات المتحدة بالحصار الاقتصادي على إيران ما فشلت في تحقيقه في الحرب.
(الأهرام المصرية)

