يُمَثِّلُ التَّمَدُّدُ الهائِلُ لِلشَّرِكاتِ الرَّقْمِيَّةِ ذاتِ الرّأْسِمالِ التْريليونِيّ، القاعِدَةَ المادِّيَّةَ لِمَبادِئَ جَديدَةٍ حاكِمَةٍ لِلعالَم. تَبَلوَرَتْ تِلْكَ المَبادِئُ مِنْ خِلالِ ما باتَ يُسَمّى "إِجْماعَ سانْ فْرانْسِيسْكو". وَهُوَ المُسَمّى الَّذي يُعْتَبَرُ إِريكْ شْميدْت، الرَّئيسُ التَّنْفيذيُّ الأَسْبَقُ لِشَرِكَةِ "غوغِل"، أَوَّلَ مَنْ صَكَّهُ في عامِ 2025، لِيَكونَ مِظَلَّةً تَجْمَعُ كُلَّ أَقْطابِ وادي السّيليكون، وَعَمالِقَةَ التِّكْنولوجْيا الرَّقْمِيَّةِ لِتَوْجيهِ الِاقْتِصادِ البَشَرِيِّ الرَّقْمِيِّ الجَديدِ حَوْلَ العالَم (شَرِكَةُ "Open AI"، شَرِكاتُ "Andreessen Horowitz"... إِلَخ). هَؤُلاءِ الَّذينَ باتوا يُعْرَفونَ بِـ"الأوليجارْكِيّينَ الدّيجيتالِيّينَ الإِقْطاعِيّينَ الجُدُد" (راجِعْ مَقالاتِنا في "عُروبَة 22": الأوليجارْكِيّونَ الجُدُد - مُواطِنونَ وَأوليجارْكِيّون).
الإجماع الجديد يقود الرأسمالية نحو "التكنو - إقطاعية"
يَقومُ إِجْماعُ سانْ فْرانْسيسْكو على مَبادِئَ ثَلاثَة:
أَوَّلًا: التَّوَسُّعُ المُطْلَق، حَيْثُ الضَّخُّ المُتَجَدِّدُ لِأَمْوالٍ بِلا سَقْف، في بِناءِ النَّماذِجِ وَجَمْعِ البَياناتِ وَتَرْتيبِها وَتَصْنيفِها وَرَفْعِ كَفاءَةِ القُدُراتِ الحِسابِيَّةِ وَالتَّطَوُّرِ الفائِقِ لِلذَّكاءِ الِاصْطِناعِيِّ التَّوْليدِيِّ وَنَقْلِهِ مِنْ مُجَرَّدِ تِقْنِيَّةٍ مَأْمورَةٍ إِلى حالَةٍ إِدْراكِيَّةٍ فائِقَةٍ تَتَجاوَزُ العَقْلَ الإِنْسانِيَّ وَصَفْناها بِالذَّكائِيَّةِ الِاصْطِناعِيَّة.
ثانِيًا: دَفْعُ الِانْتِقالِ إِلى مَرْحَلَةِ رَأْسِمالِيَّةِ الحَوْسَبَةِ وَنَقْلُ السَّيْطَرَةِ لا لِأَسْواقِ المالِ التّاريخِيَّة، بَل لِمَراكِزِ البَياناتِ الفائِقَةِ وَمَصادِرِ الطّاقَةِ المُتَجَدِّدَةِ وَسَلاسِلِ تَوْريدِ الموصِلاتِ الفائِقَةِ التَّقَدُّم.
ثالِثًا: التَّجَدُّدُ التِّقْنِيُّ المُسْتَدامُ لِلوُصولِ بِالأَنْظِمَةِ البَرْمَجِيَّةِ إلى كِتابَةِ وَتَصْويبِ بَرْمَجِيّاتِها بِنَفْسِها وَتَجاوُزِ الضَّبْطِ الإِنْسانِيّ.
يَقودُ الإِجْماعُ الجَديدُ الرَّأْسِمالِيَّةَ نَحْوَ طَوْرٍ يُمْكِنُ تَسْمِيَتُه، حَسْبَ الِاقْتِصادِيِّ اليونانِيِّ يانيس فاروفاكيس، بِـ"التِّكْنو ــ إِقْطاعِيَّة Techno - Feudalism". في هَذا الطَّوْر، لا تَبيعُ الشَّرِكاتُ التِّكْنولوجِيَّةُ السِّلَعَ وَالخِدْماتِ فَحَسْب، بَل تُؤَجِّرُ "أَراضي رَقْمِيَّةً وَبُنًى تَحْتِيَّةً إِدْراكِيَّة". وَمِنْ ثَمَّ تُصْبِحُ الحُكوماتُ وَالشَّرِكاتُ التَّقْليدِيَّةُ وَالأَفْرادُ بِمَثابَةِ "أَقْنانٍ" يَدْفَعونَ رَيْعًا رَقْمِيًّا مُسْتَمِرًّا لِمِنَصّاتِ الحَوْسَبَةِ الفائِقَةِ مِنْ أَجْلِ البَقاءِ في المَنْظومَةِ الإِنْتاجِيَّة. وَبِفِعْلِ الِاحْتِكاراتِ الضَّخْمَةِ في مَجالِ التِّكْنولوجيا الرَّقْمِيَّةِ (اسْتِثْماراتُها تَتَعَدَّى 150 تْريلْيونَ دولار)، وَنَتيجَةً "لِلرَّيْعِ" الِاحْتِكارِيِّ - الضَّخْمِ - النّاتِجِ عَنْ عَوائِدِ التِّكْنولوجيا الرَّقْمِيَّة؛ ظَهَرَتْ طَبَقَةٌ إِقْطاعِيَّةٌ جَديدَةٌ تُشابِهُ إِقْطاعِيّي ما قَبْلَ الثَّوْرَةِ الصِّناعِيَّة.
المنخرطون في التكنولوجيا الرقمية يقتربون من ثلثي سكان العالم
وَإِذا كانَتْ بُنْيَةُ الإِقْطاعِ القَديمِ تَتَكَوَّنُ مِنْ مُلّاكِ الأَرْضِ وَالفَلّاحين، فَإِنَّ الإِقْطاعَ الجَديد، الرَّقْمِيّ، سَتَتَكَوَّنُ بُنْيَتُهُ مِن: مُلّاكِ التِّكْنولوجِيّاتِ الرَّقْمِيَّةِ الَّذينَ يَمْتَلِكونَ الفَضاءَ الرَّقْمِيَّ في عُمومِهِ وَأُجَراءَ/أَقْنانٍ رَقْمِيّينَ لِإِدارَةِ هَذِهِ التِّكْنولوجِيّات. وَسَيَكونُ دَأْبُهُمْ تَحْصيلَ العَوائِدِ الرَّيْعِيَّةِ الَّتي سَيَسْتَحْوِذونَ على النِّسْبَةِ الأَكْبَرِ مِنْها. وَبِالطَّبْعِ سَتَزْدادُ "الغَلَّةُ" كُلَّما ازْدادَتْ أَعْدادُ المُسْتَخْدِمينَ الرَّقْمِيّين. وَفي هَذا المَقام، نُشيرُ إِلى أَنَّ حَجْمَ الِاسْتِثْماراتِ في مَجالِ التِّكْنولوجيا المالِيَّةِ يَبْلُغُ ما يَزيدُ عَلى 750 مِليارَ دولارٍ سَنَوِيًّا، وَأَنَّ المُنْخَرِطينَ في مَجالِ التِّكْنولوجيا الرَّقْمِيَّةِ عُمومًا يَقْتَرِبونَ مِنْ ثُلُثَيْ سُكّانِ العالَمِ البالِغِ 8.3 مِلياراتِ مُواطِن.
وَفي ظِلِّ هَذَا التَّحَوُّلِ يُصْبِحُ المُواطِنُ نَفْسُهُ جُزْءًا مِنْ عَمَلِيَّةِ الإِنْتَاجِ الرَّقْمِيّ. فَهُوَ لا يَبيعُ قُوَّةَ عَمَلِهِ فَقَطْ كَمَا كانَ الحالُ في الرَّأْسِمالِيَّةِ الصِّناعِيَّة، وَلا يَسْتَهْلِكُ السِّلَعَ وَالخِدْمَاتِ فَقَطْ كَمَا كانَ الحالُ في العُقودِ النِّيوليبيرالِيَّة، بَل يُنْتِجُ بِاسْتِمْرارٍ بَياناتٍ وَمَعْلومَاتٍ تُشَكِّلُ المادَّةَ الخامَ لِلِاقْتِصادِ الجَديد. فَكُلُّ عَمَلِيَّةِ بَحْث، أَوْ تَواصُل، أَوْ شِراء، أَوْ مُشاهَدَة، أَوْ تَنَقُّل، تَتَحَوَّلُ إلى بَياناتٍ قابِلَةٍ لِلتَّحْليل، وَالِاسْتِثْمار، وَالتَّوْظيفِ الِاقْتِصادِيِّ، وَالسِّيَاسِيّ. هَكَذا يُصْبِحُ المُواطِنُ خَوارِزْمِيًّا.
وَإِذا كُنّا قَدْ قارَبْنا الذَّكاءَ الِاصْطِناعِيَّ في عَلاقَتِهِ بِالعَديدِ مِنَ الإِشْكالِيّاتِ الإِنْسانِيَّةِ وَالمَصيرِيَّة (في هَذَا الإِطارِ نَذْكُرُ مَقالاتِنا في "عُروبَة 22" التي تَناوَلَتِ الإِشْكالِيّاتِ المَصيرِيَّةَ لِلإِنْسانِ حَوْلَ عَلاقَةِ الذَّكاءِ الِاصْطِناعِيِّ بِكُلٍّ مِنْ: اسْتِنْفارِ العَقْلِ المَارْكْسِيِّ حَوْلَ البِطالَة، وَالعَقْلِ الدّينِيّ، وَالشُّعورِ الإِنْسانِيّ، وَإِمْكانِيَّةِ القَضاءِ على الفَقْرِ أَمْ يُضاعِفُ الفُقَراء، وَالعَدالَةِ الرَّقْمِيَّة، وَالإِبْداع، وَالثُّنائِيّاتِ الإِنْسانِيَّة، وَالعَقْلِيَّةِ الإِنْسانِيَّةِ وَ"الذَّكائِيَّةِ" الِاصْطِناعِيَّة: تَناغُمٌ أَمْ تَنافُرٌ؟، بِاعْتِبارِهِ إِمْبَراطورِيَّةَ التَّوَسُّعِ وَالهَيْمَنَة)، فَإِنَّنا هُنا في إِطارِ تَحَوُّلاتِ العَقْدِ الِاجْتِماعِيِّ وَتَأْثيرِهِ على المُواطَنَةِ بِأَبْعادِها المُتَعَدِّدَة، فَإِنَّنا نَلفِتُ النَّظَرَ إلى آثارِ وَتَداعِياتِ هَذا التَّحَوُّلِ الجَديد، وِفْقَ إِجْماعِ سَانْ فْرانْسيسْكو غَيْرِ الرَّسْمِيِّ بَعْد، على الواقِعِ الِاقْتِصادِيِّ وَالسِّياسِيِّ لِأَكْثَرِيَّةِ المُواطِنين؛ إِذْ لَنْ تَكونَ لَدَيْهِمُ القُدْرَةُ على الوُصولِ التّامِّ إلى المَعْلومَاتِ إِلّا بِشُروطِ القِلَّةِ الرَّقْمِيَّةِ الإِقْطاعِيَّةِ مِنْ جِهَة، وَالشَّراكَةِ في عَوائِدِ الرَّيْعِ الرَّقْمِيِّ الذي سَيَتَرَكَّزُ جُلُّهُ في أَيْدي تِلكَ الأوليجارْكِيَّةِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرى.
مواطنو اليوم أمام تحدٍّ تاريخي
بِمَعْنًى آخَر، سَيُصْبِحُ المُواطِنُ في العَصْرِ الرَّقْمِيِّ مَمْلوكًا لِأوليجَارْكِيَّةٍ إِقْطاعِيَّةٍ رَقْمِيَّة، وَهُنَا مَكْمَنُ الخُطورَة. وَمِنْ ضِمْنِ التَّداعِيَاتِ المُحْتَمَلَةِ أَنَّ عَدَدًا قَليلًا مِنَ الشَّرِكاتِ العِمْلاقَةِ سَيَمْتَلِكُ مالًا سَيَفوقُ النّاتِجَ المَحَلِّيَّ الإِجْمالِيَّ لِدُوَلٍ عَديدَة، كَذَلِكَ سَتَتَمَكَّنُ تِلكَ الشَّرِكاتُ مِنَ التَّأْثيرِ في تَدَفُّقَاتِ المَعْلومَاتِ وَمَضامينِها، هَكَذا سَوْفَ تَنْتَقِلُ مَراكِزُ التَّأْثيرِ مِنْ مُؤَسَّساتِ العَقْدِ الِاجْتِماعِيِّ الكْلاسيكِيَّةِ التّاريخِيَّةِ إلى الشَّبَكاتِ وَالمِنَصّات، مَا سَيُضْعِفُ المُواطِنِيَّةَ بِالأخير.
وَبَعْد، إِنَّ مُوَاطِني اليَوْمِ أَمامَ تَحَدٍّ تارِيخِيّ... هَل سَيَتَمَكَّنونَ مِنْ فَرْضِ عَقْدٍ اجْتِماعِيٍّ يَضْمَنُ لَهُمْ مُواطَنِيَّةً تُؤَمِّنُ لَهُمْ رَفاهًا تِكْنولوجِيًّا رَقْمِيًّا وَتَنْمِيَةً عادِلَةً أَمْ يَرْضَخونَ لِلتَّهْميشِ وَالإِقْصاءِ وَاسْتِثْمارِ التِّكْنولوجْيَا الرَّقْمِيَّةِ/الذَّكاءِ الإِنْسانِيِّ لِإِنْتاجِ فائِضِ قيمَةٍ لِصالِحِ دَوْلَةِ الإِقْطاعِ التِّكْنولوجِيِّ/الرَّقْمِيّ؟.
لقراءة الجزء الأول
(خاص "عروبة 22")

